رحلة إلى عوالم الفن والجمال والرفض والتحدي عبر "كهف الفنون" في مرتفعات "المدينه" بالكاف
08/04/2019 11:51, تونس/تـــــــــــونـــــــــس

الدّهماني 08 أفريل 2019 (وات) /تحرير كوثر الشايبي/- شاهدا على الثراء الثقافي والفني للمنطقة، يتخفّى "كهف الفنون" المشروع الذي خرج عن المألوف وكسّر القيود وقطع مع المتعارف عليه، في جبال "سراورتان" من منطقة "المدينه" التابعة لمعتمدية الدهماني بولاية الكاف.

تتوغل في مرتفعات "المدينه"(صيغة تصغير لكلمة مدينة) غير بعيد عن الموقع الأثري "ألتيبيروس" (اسم الامبراطور الروماني الثاني)، على مسافة كيلومترين من المسالك الوعرة قبل أن تصل إلى الكهف المتواري في بطن سفح الجبل. يتملّكك أثناء عملية الصعود المتأني والحذر نحو هذا الكهف شعور يمتزج فيه الإحساس بالمغامرة والتطلع لاكتشاف الأسرار والخفايا التي تتميز بها الكهوف مع نوع من الهيبة والإجلال تفرضهما عليك شساعة المساحات والجبال المنتصبة على دفتي الطريق.

تكتشف وقدماك تطأ المكان أن الأمر يتعلق بكهف طبيعي لا يظهر منه سوى فوهته وبابه الصغير ولكن طوله يمتد في أحشاء الأرض 30 مترا بالتمام والكمال فتدرك وأنت تتوغل فيها أن هذا الكهف خضع لعملية تدخل وتحسين بمهارة فائقة حيث هُذّب جُهّز بإضاءة خافتة حافظت على سحر الكهوف وهيأت على جانبيه مقاعد للراحة في شكل مجالس هي أقرب لمجالس الفن والإبداع والثقافة على بساطتها.

يجول بصرك في المكان فتتفطن إلى نفائس فنية يمنة ويسرة حيث علّقت بحيطانه عديد اللوحات التشكيلية والكتب والمقالات الصحفية وكتبت في أجزاء منها مجموعة من المقولات ذات الدلالات الفلسفية لمهندس المكان الرسام التشكيلي عمّار بالغيث الذي أخذ على عاتقه إنجاز هذا الفضاء الفني في محاولة لتثمين المخزون الفني الثري للمنطقة وتراثها المادي واللامادي.

تستفزك العناية التي تم بها ترميم هذا الكهف الحجري وتوشيحه بالألوان واللوحات الفنية التشكيلية والإضاءة الخافتة التي تحدث طقوسا مميزة تشعر بها منذ ولوجك المكان فتعرج بك إلى عالم من الحميمية والراحة النفسية. يسرق الكهف إعجابك وتحبه وتعشق تفاصيله الجميلة المتناسقة، تغمرك رائحة الأرض المضمخة بنكهة التاريخ فتتنفس بعمق وتنشدّ عيونك إلى كل تفاصيل الكهف وأشيائه المرصفة والموظبة بترتيت وتناغم الواحد تلو الآخر.

أصبح الكهف منذ سنة 2001 قبلة للزائرين وفضاء للإلهام والإبداع فاكتسب قيمة "التحفة الفنية" النادرة التي يصعب الإتيان بمثيل لها في المرتفعات الغنية بالمشاهد الطبيعية الرائعة، وهو ما قد يكون أوحى للفنان عمار بالغيث ابن المنطقة بفكرة تهيئة الكهف وتحويله إلى مزار ثقافي خلال الفترة الممتدة من سنة 1996 إلى سنة 2001 بمجهود فردي لم تساعده فيه سوى دابته (بهيمة) التي رافقته في حمل الأمتعة والأغراض وما يلزم لتهيئة المكان وتأثيثه. لذلك هو لم يبخل عليها بتكريم رمزي أهداه إياها يوما ما فكتب عنه الصحفي بجريدة لابراس الطاهر العياشي مقالا مطولا حول ما ينطوي عليه هذا التصرف من رؤية ساخرة وناقدة يحملها عمار بلغيث لوضع الفن والثقافة في تونس لم ينقطع الرجل عن ذكرها والتأكيد عليها خلال الحديث معه.

يقول عمار بالغيث إنه "أنجز الكهف للدفاع عن الهوية التونسية ولتوظيف الفن في تثمين منطقة "المدينة" وتراثها المادي واللامادي إذ تروي بعض اللوحات تاريخ وقصص الخرافات المنتشرة والمتداولة منذ أجيال في المنطقة.

وقد تعمد إحداث مسلك ثقافي متنوع ومتكامل ينطلق من الموقع الأثري توظيفا لما يتضمنه من جمالية الفسيفساء والمسرح الأثري والساحة العامة وأقواس النصر ووثائق أخرى صامتة تحملها الحجارة الأثرية المتناثرة على الربوة، ثم يمر هذا المسلك ببعض اللوحات واللافتات المتناثرة على حافة الطريق والحاملة لمجموعة من الرسائل المقتضبة ولكن عميقة الدلالة. ومن هذه الرسائل التي خطتا بريشة الفنان عمار بلغيث الرسالة التي نقشت على مدخل المسلك "محمية المبدعين... لحمياتهم من الانقراض".

يقول عمار أنه اختار هذا المعنى عنوانا لمدخل المنطقة المؤدية إلى الكهف للتدليل على فكرة أن المبدع في العالم الإسلامي، في نظره، "لا يتوفر له لا المكان ولا المكانة ولا المحيط ولا الحماية ولا الاهتمام، وعند موته تموت إبداعاته وتدفن معه وينقرض تماما"..أو هو هكذا خير التعبير عن وضع "المبدع في تونس الذي يعيش غربة وإقصاء وتهميشا ونبذا من المجتمع".

يتواصل المسلك الثقافي مارّا بعدد من اللافتات التي تحمل رسائل أخرى على غرار لافتة "ابتسم أنت وراء البلايك" التي بيّن عمار بالغيث أنها "لافتة كتبت حديثا تماشيا مع ما يحدث حاليا ولأن "ما وراء البلايك" "مشرّف جدا" فوراء اللافتة المذكورة مباشرة يقع "كهف الفنون"، وهو المسلك الأرضي الغزير بالمعاني والدلالات ذات العلاقة بالفن والثقافة والتاريخ.

تتصدر يمين مدخل الكهف جدارية مستوحاة من معلقة أوبيرا مجموعة الروك البريطانية بينك فلويد ذو وال The Wall) ) ترسم لوحة فنية لتكميم الأفواه (صرخة تخترق يدا تكمم الفم) رسمت في سفح المرتفع الجبلي المقابل لها و البعيد عنها حوالي 1كلم الكلمة الانجليزية "NO" في صورة تعبيرية عن قوة الذات الرافضة للواقع السائد ولمنع التعبير وتكميم الافواه.

تحمل هذه اللوحة رسالة جاءت على لسان بلغيث " لا لنشر السلبية ولا لتشويه صورة تونس ولكل ما من شانه أن يمس البلاد بالسوء"، هو أرادها صرخة تنطلق من الكهف لترسم عبارة "لا" الرافضة في أفق المرتفعات في تحدّ للطبيعة وللقيود المفروضة على الفن والفنانين.

عن تونس كتب الفنان تحت الأرض في إحدى جدران الكهف ما يلي: "رسمتك يا تونس وأنت وراء الأفق البعيد...رسمتك بكل ما أملك من أحاسيس ومشاعر...ونقلت ما تخيلته من ألوانك وصورك على لوحاتي...حتى خفت أن لا يبقى بذاكرتي شيء أمسح به دموع الحنين بغربتي..."

استقطب "كهف الفنون" آلاف الزائرين وعددا من الأدباء والموسقيين على مر السنين الأخيرة الماضية وها هو اليوم يستعد ليستقبل حفلا موسيقيا يومي 12و13 افريل الجاري لثلة من الموسيقيين من عديد البلدان الأوروبية ممن خيروا اللجوء على الكهف.

"كهف الفنون" يواجه رغم هذا الإشعاع والعمق والثراء إهمالا كبيرا خاصة فيما يتعلق بالطريق الموصلة إليه فرغم أهميته الثقافية والفنية، لم يعبّد الطريق منذ سنوات وظل الكهف معزولا والحال انه عرّف بالمنطقة وساهم في خلق حركية اقتصادية بها، على حد قول عمّار بالغيث الذي أكد أن "الكهف" يشكو من تجاهل ولامبالاة المسؤولين الجهويين على امتداد السنوات التي تعاقبت علي إحداثه.

يلخص عمّار تجربته مع كهف الفنون فيقول وقد أنهكه التعب والجحود وعبء السنين: "الكهف محتوى فني ليس في علاقة بالاستثمار فقط، هو تحفة أنجزت بلغة الفن وإلهام الفنان وعزيمة صلبة لتحدي حزمة المصاعب التي تكبّل المبدع، ومصاعب الإقصاء والتهميش الممنهج والتكفير أحيانا.الكهف ملجأ الفنان المجبر على العمل في بيئة ترفضه ولا تؤمّن له أيّ مسقبل، فقط روح التحدي وعزيمة الفنان وعشقه لفنه ذلك ما يصنع المستحيل".

كوثر

المزيد

جهات

  20/08/2019 22:23
احباط عملية هجرة غير نظامية من سواحل البقالطة نحو إيطاليا
  20/08/2019 20:18
القصرين : نشوب حريق بالمنطقة العسكرية المغلقة بجبل بسمامة (دائرة الغابات)
  20/08/2019 19:10
بنزرت: السيطرة على حريق أتى على 3 هكتارات من الغابة الشعراء بأولاد حسن بسجنان
  20/08/2019 18:59
جندوبة: الانطلاق قريبا في تهيئة وتجديد شبكات تصريف مياه ميناء الصيد البحري بطبرقة

عالمي

20/08/2019 23:48
العثور على أحفوريات يعود تاريخها لـ100 مليون سنة في جنوب شرق تركيا
20/08/2019 23:45
متحدث: الحوثيون يسقطون طائرة أمريكية مسيرة في محافظة ذمار اليمنية
20/08/2019 23:42
بومبيو: الولايات المتحدة ستتحرك إذا سلمت الناقلة الإيرانية النفط إلى سوريا

الأكثر قراءة

الهيئة الإنتاخبية تنشر قائمة نواب مجلس الشعب المُزكّين لمترشحين للإنتخابات الرئاسية السابقة لأوانها لسنة 2019 (660 views)
جمعيات مناصرة لحقوق المرأة تدعو إلى ضرورة إدراج مسألة الدفاع عن قضايا المرأة في البرامج الانتخابية (568 views)
رئاسية 2019: 152 نائبا منحوا تزكياتهم وأعضاء الكتل البرلمانية الوازنة يجيزون 8 من مجموع 11 مترشحا (530 views)

النشرة الثقافية لوكالات الأنباء العربية

  27/07/2019 14:18
النشرة الثقافية لوكالة أنباء البحرين
  11/05/2019 10:34
النشرة الثقافية لوكالة الأنباء الأردنية
تحديثات تويتر النشرة الإخبارية الاتصال بنا

للحصول على النشرة الإخبارية، الرجاء التسجيل


tel: 71889000
fax: 71883500, 71888999