الإيقاف التحفظي في تونس من آلية للتثبت من القرائن والبراهين الى آلية للمعاقبة دون صدور حكم قضائي
15/11/2018 23:01, تونس/تـــــــــــونـــــــــس

تونس 15 نوفمبر 2018 (تحرير راقية السالمي ـ وات) ـ يقول سامي (اسم مستعار) شاب تونسي في 26 من العمر وهو يطقطق أصابعه بطريقة متواصلة في تعبير عن القلق وعدم الراحة "إنها "الصدفة اللعينة" التي وضعتني في هكذا موضع وقلبت حياتي 180 درجة ..." هو الشاب المفعم بالحيوية و بالأمل في غد مشرق يغير حياته وحياة والدته وأخته معه لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن فلو تأخر فقط 10 دقائق عن دخول الحي الذي يقطنه بمنطقة شعبية من ولاية تونس لتغير قدره نحو الأفضل ونحو ما كان يصبو اليه في أحلامه البسيطة فغاية أمله أن يحصل على عمل يكفيه وعائلته الحاجة ويخرجهم من بوتقة الفقر ويحقق لهم كرامة العيش حسب تقديره.

يضيف سامي وعلامات التحسر والألم بادية على وجهه الذي تكسوه مسحة من القهر الممزوج بالغضب "إنه القدر.. الذي وضعني في تلك الأمسية الصيفية في وضع لا أحمد عليه فبمجرد دخولي الحي الذي أقطنه حتى اعترضني هرج ومرج وأصوات عالية وبكاء وتوسل أم ملتاعة فما كان مني إلا أن تقدمت نحو تلك الأصوات المتعالية لأستطلع الأمر فإذا بي أزج بنفسي دون قصد في شجار بين شابين (م) وأصدقائه من جهة و (و) وأصدقائه من جهة أخرى وكان بحوزة أحد الشابين سلاح أبيض (سكين) دون تفكير تقدمت منه وفي محاولتي إفتكاك السكين وفض العراك سدد (م) طعنات سريعة وعديدة في أماكن مختلفة من جسد (و) الذي سقط أرضا وهو ينزف بغزارة ... بقيت مذهولا  و مصدوما لم أحرك ساكنا كما فعل آخرون وجروا "

في هذه الأثناء "لاذ (م) وعدد من أصدقائه بالفرار وجاءت سيارة الإسعاف وأعوان الأمن وقاموا بنقل (و) الى المستشفى في حالة حرجة وألقى أعوان الأمن القبض على باقي الشباب الذين ظلوا بدورهم مصدومين بالواقعة ومن بينهم أنا. لم أع وقتها خطورة الموقف الذي وضعت نفسي فيه...".

يضيف سامي "تم اقتيادنا جميعا إلى مركز الأمن لمواصلة الأبحاث معنا ومعرفة حقيقة ما جرى كنا نجهل مصير (و) و (م) وخلال البحث الأولي من قبل الشرطة العدلية عرفنا أن (و) فارق الحياة متأثرا بجروحه بعد 3 أيام من الحادثة في حين لازالت الأبحاث متواصلة للقبض على (م) المتورط في القضية وبعد 5 أيام من البحث الأولي تمت إحالتها على قلم قاضي التحقيق الذي أصدر بدوره بطاقة إيداع بالسجن في حقنا في انتظار استكمال الأبحاث والأدلة والقرائن ووُضعنا وقتها رهن الإيقاف التحفظي".

سامي كآلاف الشباب مثله الذين زجت بهم أفعالهم أو أقدارهم ليكونوا رهن الإيقاف التحفظي هذه الآلية التي عرفها المشرع التونسي بالفصل 84 من مجلة الإجراءات الجزائية  أنها وسيلة استثنائية يجب عند اتخاذها مراعاة القواعد الوارد ذكرها بالفصل 85 من نفس المجلة و هي أن يقع ايقاف المظنون فيه تحفظيا في الجنايات و الجنح المتلبس بها وعند ظهور قرائن قوية تستلزم الايقاف باعتباره وسيلة أمن يتلافى بها اقتراف جرائم جديدة أو ضمانا لتنفيذ العقوبة او طريق توفر سلامة البحث.

الا ان الإيقاف التحفظي وبدل أن يكون أداة لإثبات القرائن التي تساعد على تبرئة المظنون فيه أصبحت أداة لسلب الحرية التي هي من أخطر الإجراءات السابقة لصدور الحكم القضائي البات وما ينجر عنها من آثار سلبية قاتمة في حق المتهم خاصة وأن الأصل في الإنسان أنه بريء ما لم تثبت إدانته ظاهرة بات يصل فيها عدد الموقوفين أكثر من عدد المحكوم عليهم وتفتح الباب أمام عديد التأويلات عن الأسباب الكامنة وراء التوجه أكثر نحو العقوبات السالبة للحرية هذا إذا ما عرفنا أن النسبة الأكبر من الموقوفين هم من الشباب من الفئة العمرية 20-30 سنة حسب مؤشرات وزارة العدل.

وشدد عضو لجنة الحريات الفردية والمساواة صلاح الدين الجورشي في هذا الصدد على أن غياب هيكلة في المجتمع التونسي في مستوى التعامل مع الشباب ذلك أن الوصول الى مرحلة الإيقاف أو السجن هي تتويج لتراكمات وأسباب عميقة إقتصادية وإجتماعية وثقافية تؤدي إلى انتشار هذه الظاهرة خاصة أن تونس تفتقر إلى سياسة استباقية لمحاولة فهم أزمة الشباب وأسباب انحرافه. وفي غياب متابعة دقيقة وإصلاح حقيقي ومعالجة متكاملة للمشاكل الصعبة التي تواجه الشباب وتؤدي بهم الى الوقوع في مثل هذه الظواهر نصل الى نتيجة تتحول الى ظاهرة وتصبح السجون هي الملجأ الأخير رغم أنها ليست مؤسسة إصلاحية بالمعنى العميق والجدي للكلمة حسب تقديره.

والإيقاف التحفظي حسب المكلف بمأمورية بديوان وزير العدل القاضي "علي ڨيڨة"  لم يكن محدد المدة قبل صدور القانون عدد 70 المؤرخ في 26 نوفمبر 1987 الذي ضبط لأول مرة مدة  الإيقاف التحفظي ب6 أشهر مع إمكانية التمديد فيها مرة واحدة بالنسبة للجنح ومرتين بالنسبة للجناية على ألا يتجاوز كل تمديد ستة أشهر ثم وبمقتضى القانون عدد 114 المؤرخ في 22 نوفمبر 1993 تم التخفيض في مدة الإيقاف التحفظي عند التمديد فيه وهو ما جعل التمديد في فترة الإيقاف بالنسبة للجنح مرة واحدة بثلاثة أشهر وفي الجناية بمرتين لا تزيد كل واحدة عن أربعة أشهر.

و أضاف أن الفصل 85 من مجلة الإجراءات الجزائية اقتضى في فقرته الأخيرة أنه يتحتم الإفراج بضمان او دونه بعد الاستنطاق ب5 ايام لفائدة المظنون فيه الذي له مقر معين بالتراب التونسي و لم يسبق الحكم عليه بأكثر من 3 أشهر سجنا إذا كان اقصى العقاب المقرر قانونا لا يتجاوز العام سجنا.

سامي ورغم أنه لم يسبق الحكم عليه ولم تكن له سوابق عدلية تذكر الا انه وبتورطه في هذه القضية ظل لأيام بل ولأشهر عجز عن احتساب عددها حسب تأكيده لتشابهها حتى أنه خول إليه كما يقول أن الزمن قد توقف حين أدخل السجن تحت طائلة الإيقاف التحفظي وما يمكن أن ينجر عنه من مخلفات...هذه الآلية التي يقول أنه يجهل عنها كل شيء غير كونه محبوسا في إنتظار ما ستؤول اليه أطوار القضية المتورط فيها هو وعدد آخر من الشباب… يضيف، لقد وجدت نفسي في وضع لم اتخيل يوما ان ابلغه غرفة يتكدس بداخلها عدد كبير من المساجين والموقوفين في مشهد يصعب تصويره لتسارع أحداثه حيث يحاول كل سجين أن يسيطر على الآخر في مظاهر غير متجانسة حسب تأكيده.

وحالة الإكتظاظ داخل المؤسسات السجنية تؤكدها المؤشرات الرسمية التي استقتها معدة التحقيق من الناطق الرسمي للسجون والاصلاح حيث يصل عدد  القابعين بالمؤسسات السجنية التونسية البالغ عددها 27 مؤسسة بطاقة استيعاب تقدر ب 19100 سرير الى 21900 سجين من بينهم 624 من النساء و 13046 من الموقوفين غالبيتهم من الشباب من الفئة العمرية 20-30 سنة وهو ما خلف اكتظاظا كبيرا داخل هذه المؤسسات السجنية.

ويؤكد المختص في علم اجتماع السجون والإجرام سامي نصر بخصوص حالة الإكتظاظ داخل المؤسسات السجنية التونسية أن 70 بالمائة من الأحكام القضائية التونسية هي أحكام سجنية بمعنى أن القضاء التونسي يخير الأحكام القضائية السجنية عن باقي الأحكام الأخرى على غرار الخطايا المالية أو تأجيل التنفيذ وهذا التوجه هو الذي يساهم في اكتظاظ السجون حسب تقديره.

كذلك يرى المحامي ونائب رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بسام الطريفي أن الإمكانيات البشرية والمادية لها أيضا دور محوري في وجود أعداد كبيرة من الشباب ومن غير الشباب رهن الإيقاف التحفظي ذلك أن تكدس الملفات لدى قضاة التحقيق تحول دون الإسراع في إتمامها في آجالها وتحويل المظنون فيه على انظار القضاء للبت في قضيته.

يقول سامي إن الإكتظاظ الذي عايشه طيلة مدة إيقافه وما صاحب هذا الوضع المزعج كثيرا حسب روايته من  قصص متنوعة ومحاولات متكررة من مختلف الأصناف البشرية المتواجدة هناك بدرجات متفاوتة بين العلني والمغلف فكل واحد يسعى لاستدراج الآخر لجانبه بطريقة مختلفة بين الترغيب والترهيب مما ينتظرك خارج هذه الأسوار التي لن تجلب سوى "الحقرة" والنبذ الاجتماعي....

الإيقاف التحفظي إجراء من شأنه أن يكسر هاجس الخوف والرهبة من العقوبة السجنية ويساهم في تفريخ مجرمين جدد

وفي هذا الصدد يقر عضو لجنة الحريات الفردية والمساواة صلاح الدين الجورشي أن الإيقاف التحفظي  يتحول في العديد من الحالات إلى آلية تعدّ على الحريات الفردية مما يخلق العديد من الإنعكاسات السلبية على غرار تبرئة المتهم بعد قضاء مدة في الإيقاف التحفظي  ويكون بذلك قد تعرض الى  الظلم والعدوان على حقوقه كما أنه يمكن أن يكون مدخلا لمزيد التعمق في الإجرام ويصبح مجرما بحكم الاختلاط مع ذوي السوابق.

تعود الذاكرة بسامي الى تلك الفترة التي قضاها في إطار الإيقاف التحفظي "لم أكن أعي وقتها ماهو الإيقاف التحفظي ولا آثاره علي ولا على عائلتي… نعم هو محنة ومشقة كبيرة يضيف  بعبرة مخنوقة لاسيما بعد ما خلفه من أثر موجع على مستقبلي. لا يمكن بالمرة تجاوزه رغم محاولاتي المتكررة… فهذا المستقبل الذي كنت احاول نحته باظافري على الصخر حتى أغير واقعي وعائلتي الى أن هذا الإيقاف التحفظي وطول مساراته وقف حاجزا منيعا وحال دون ان أحقق كرامة العيش لي ولعائلتي".

"لقد كنت تقدمت منذ تخرجي من الجامعة بطلب لوكالة التعاون الفني للحصول على عقد للتدريس باحدى دول الخليج العربي وفعلا تمت الاستجابة لطلبي تلك الصائفة بعد أربع سنوات من الانتظار وباشرت باعداد ملفي الذي ظل دون استكمال بسبب تورطي في هذه القضية… توالت الأيام بطيئة مملة وأنا أنتظر أن يتم البت في القضية لاسيما بعد القبض على الجاني (م) إلا أن طول إجراءات الأبحاث وكثرة المتورطين في القضية اضافة الى أسباب أخرى كنت أجهلها كلها كانت سببا في ضياع حلمي وفرصتي في العمل ورجوعي إلى نقطة البداية أو نقطة الضياع الذي أعيشه حاليا والله وحده يعلم ما ستنطق عنه قادم الايام والاشهر والسنين…".

وفي هذا الصدد يشير كاتب عام النقابة العامة للسجون والإصلاح بدر الدين الراجحي الى أن الإيقاف التحفظي في تونس يطرح الكثير من المشاكل سواء على الموقوف أو العون المباشر في مراكز الإيقاف مصدرها الأساسي كثرة الإكتظاظ مقارنة بالمواصفات الدولية حيث يكون هنالك عون على 4 او في غالبية الأحيان 10 مساجين وهو رقم يتضاعف مئات المرات في تونس رغم تحسن هذا المعدل ليصل بين 80 الى 100 سجين حاليا بعد أن كان بين 300 سجين فما أكثر.

وأضاف أن لهذا الإكتظاظ مخاطر عديدة لا سيما في الحالات التي تجمع بين أصناف وفئات متعددة من المساجين والموقوفين رغم التصنيف المعتمد بالمؤسسة السجنية (المبتدئين والعائدين والأصغر من 25 سنة والأكبرمن 25 سنة) إلا أن ذلك لا يمنع من تواجد أصحاب الجنح مع أصحاب القضايا الكبرى ولاسيما منها المتعلقة بالإرهاب والعائدين من بؤر التوتر وتجار المخدرات والمتحيلين مما يساعد على استقطاب خاصة ذوي الشخصيات سريعة التأثر نحو الجريمة أو الإرهاب.

من جهته شدد المختص في علم إجتماع السجون والإجرام سامي نصر أن فترة الإيقاف التحفظي هي عقوبة لم يصدرها القانون لكنها عقوبة فعلية وهي آلية تدمر المظنون فيه نفسيا وإجتماعيا قبل صدور الحكم في أمره سواء بالتبرئة أو بإثبات الجرم المنسوب إليه كما أن هذا الإجراء من شأنه أن يكسر هاجس الخوف والرهبة من العقوبة السجنية التي تميز عامة التونسيين حسب تقديره وبالتالي يمكن لهذا الموقوف أن يرتكب جرائم فعلية مستقبلا لأن المخيف لم يعد مخيفا.

كما أن النبذ الاجتماعي وعدم القدرة على الإندماج في الدورة الإقتصادية والإجتماعية مجددا والوصم الإجتماعي كلها عوامل تدفع هذا الموقوف الذي برئ او أثبتت إدانته الى الإندماج مع أصحاب السوابق ومع من تشاركوا معه نفس الوصم.

التباين بين عدد القضايا وعدد قضاة التحقيق أمر يستوجب تداركه لتجاوز الجراح ….

أشار عضو لجنة الحريات الفردية والمساواة صلاح الدين الجورشي الى أن الإيقاف التحفظي هو آلية مرتبطة بإجراء قانوني يمكن التحكم فيه بتقليص مدته المرتبطة هي أيضا في كثير من الأحيان بالآليات القضائية البطيئة في تونس التي قد تؤدي الى المس من حقوق الأفراد، مشددا على أن عدد القضايا يشهد تطورا كبيرا في حين أن عدد قضاة التحقيق لا يسايره من حيث العدد وهو ما يترتب عنه تكدس القضايا لدى قضاة التحقيق وبالتالي طول إجراءات التقاضي على طورين و قد تؤدي في الكثير من الأحيان إلى هضم حق المظنون فيه حسب تقديره.

ولفت رئيس جمعية القضاة أنس الحمايدي في هذا الخصوص الى أن من أبرز الأسباب المؤدية الى تجاوز الحيز الزمني في مجال الإيقاف التحفظي من جهة طبيعة القضايا التي لا يستطيع قاضي التحقيق البت فيها بمفرده بل هو في حاجة إلى مختص كقضايا الفساد المالي التي تحتاج الى القيام بعديد الاختبارات المفصلة او ايضا كثرة عدد المتهمين في قضية معينة (كما هو الحال في قضية سامي التي كان عدد المتورطين فيها كبير)  وتستغرق حيزا زمنيا اكبر للبت فيها وختم الأبحاث وتحرير قرار ختم البحث من قبل قاضي التحقيق.

وأضاف أن بعض مكاتب التحقيق فيها عدد كبير من الملفات وعدد كبير من المتهمين في حالة الايقاف و رغم ما يوليه قضاة التحقيق من اهمية قصوى لاسيما الملفات التي يكون المتهمين فيها في حالة ايقاف وهي حالات استثنائية حسب قوله  تعطى فيها الاولوية وقد تصل حجم هذه الملفات حسب المحاكم بين 200 و300 ملف فوق مكتب قاضي التحقيق في حين تصل في محاكم أخرى بين 500 و600 ملف وهو حجم كبير جدا (منها 100 ملف في حالة إيقاف تتطلب البحث والتدقيق لكشف الحقيقة لاثبات او نفي التهم عن المظنون فيه).

كما لفت إلى أن التباين الواضح بين عدد قضاة التحقيق (132 قاضي تحقيق بمختلف جهات البلاد حسب احصائيات استقتها معدة التحقيق من وزارة العدل) وعدد الملفات المطروحة عليهم وتشعبها الى جانب ظروف العمل المضنية (يكون التحقيق على مدى 24 ساعة في حالة عمل) الى جانب النقص الكبير في الإمكانيات المادية للعمل، كلها تشكل عائقا كبيرا أمام قضاة التحقيق في مجال تسريع البت في القضايا المطروحة أمامهم، مشددا في هذا الخصوص على ضرورة تشجيع هذا القطاع وتحفيز القضاة ليلقى إقبالا وبالتالي تطورا في عدد قضاة التحقيق الذي سيعود بالنفع على أطوار التحقيق والتسريع في البت في القضايا المطروحة التي ينتظر أصحابها تسريعا في البت فيها لما يمكن أن يحمله من نتائج إيجابية لفائدتهم حسب تقديره.

من جهته أقر المكلف بمأمورية بديوان وزير العدل القاضي علي ڨيڨة أن التقاضي على درجتين مع امكانية الطعن في القرار بدائرة الاتهام في التعقيب وتشعب بعض الحالات وتعدد الاطراف في حالات اخرى كلها من العوامل التي تطيل اجراءات التقاضي ويظل المتهم بمقتضاها رهن الايقاف التحفظي. هذه الآلية التي يمكن الإختصار في آجالها حسب تقديره إما مباشرة أو بحذف مؤسسة من المؤسستين (قاضي التحقيق أو دائرة الإتهام).

إجراءات غير مفعلة مع أنه يمكن أن تساهم في تجاوز الواقع المرير للإيقاف التحفظي وتحفظ كرامة المظنون فيه

و الالتجاء المفرط إلى العقوبات السجنية في القضايا بمختلف تصنيفاتها تزيد من حالة الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية التونسية التي يصل فيها أعداد الموقوفين في كثير من الأحيان، الى ما يفوق 60 بالمائة من العدد الجملي للمساجين مع ما قد يؤدي إليه هذا الاكتظاظ من انعكاسات سلبية على الموقوف وعائلته فضلا عن العواقب الاقتصادية إلى اللجوء المفرط للتدابير الاحتياطية السالبة للحرية يبقى التساؤل قائما عن جدوى وجود بعض القواعد القانونية التي لا يتم تفعيلها على غرار "تفعيل العقوبات البديلة للسجن" مثل العمل للمصلحة العامة والغرامات المالية و"السراح الشرطي" و"العفو الخاص" للحد من هذا الاكتظاظ وحتى ربما تغيير مصير العديد من الموقوفين او المحكوم عليهم في جرائم بسيطة.

وفي هذا الخصوص اقترح كاتب عام النقابة العامة للسجون والإصلاح بدر الدين الراجحي لتجاوز الوضعية الحالية بخصوص الإيقاف التحفظي تطوير المنظومة الجزائية في اتجاه ترشيد وتنقيح بعض الأحكام لتساعد في التسريع في إجراءات البحث وتحويل المظنون فيه على أنظار القضاء للبت في قضيته لتجنب طول الإجراءات التي تصل حد حرمان المضنون فيه من حقه وهو ما يعود بالنفع على المظنون فيه وعلى المجموعة الوطنية بصفة عامة و تغيير آليات الإيداع بآليات أسهل التي يتم التعامل بها مع بعض الوجوه المعروفة وتطبيق ذلك على الجميع بإرساء للعدل وتكافؤ الفرص إلى جانب اعتماد العقوبة البديلة (العمل لفائدة الصالح العام) وهي آلية يقول أنها أتت أكلها بصفة ناجعة جدا في الشقيقة الجزائر التي انتقلت الى مرحلة العمل للمصلحة الخاصة وهي من الأليات التي يمكن أن تقلل من الاكتظاظ داخل السجون وأن تجنب من عمليات الاستقطاب التي تنتج مجرمين من العيار الثقيل حسب تقديره.

واقترح الراجحي أيضا تفعيل آلية إعتماد السوار الإلكتروني التي يقول أن وزارة الإشراف قامت فعلا باقتناء الاساور لكنه لم يتم الى اليوم تفعيل هذه الآلية على أرض الواقع وهو ما من شأنه أن يساعد في التخفيف من أعداد الموقوفين ومن الاختلاط مع باقي المساجين أو الموقوفين واعتماد السجن ذي المستوى الأمني العالي لتفادي كل إختلاط من شأنه تفريخ مجرمين من طراز آخر غير الذي دخل به السجن أو أوقف بشأنه.

أما المحامي ونائب رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بسام الطريفي فأقر من جهته بأن فئة الشباب هي الفئة الأكبر عدد في حالات الإيقاف ومرد ذلك حسب تقديره كون هذه الفئة هي الأكثر جنوحا لإرتكاب بعض الجرائم والغالبية من الموقوفين من الشباب يكونون من أوساط شعبية ومن مستوى اجتماعي واقتصادي هش حسب تقديره.

ولفت في هذا الصدد الى أنه يرد على الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عدد لا يستهان به من الشكايات من قبل موقوفين أو عائلاتهم لتجاوز المدة المقررة في مجال الإيقاف التحفظي، مؤكدا أن طول الإجراءات التي تمر عبر طورين الأولى بدائرة الإتهام والثانية بالدائرة الجنائية لتتم بعدها محاكمة المظنون فيه من شأنها أن تزيد في مدة الإيقاف وهي من الاعتداءات وانتهاك لحقوق الإنسان.

واقترح لتجاوز هذا الخلل توفير الإمكانيات المادية والبشرية لقضاة التحقيق لإنجاز أعمال التحقيق في آجالها ودعم قضاة التحقيق الذين يصل فوق مكتب القاضي الواحد ما يزيد عن 300 ملف بين سراح وموقوفين كذلك دعم الضابطة العدلية بالإمكانيات والتجهيزات والمعدات الحديثة.

وأفاد أن من الحلول المقترحة من الأطراف المعنية بهذه المسألة مراجعة معمقة ودقيقة للفصول المنظمة لمسألة الإيقاف التحفظي في مجلة الاجراءات الجزائية.  

وأكد عضو لجنة الحريات الفردية والمساواة صلاح الدين الجورشي أن العديد من المنظمات الحقوقية طالبت ولازالت بتجنب هذا الإجراء في الحالات التي لا تشكل خطرا على الأمن العام وعلى المواطنين و إيجاد عقوبات بديلة لتجنب الإيقاف التحفظي وتغليب البعد التربوي والسعي الى إعادة الإدماج بعيدا عن منطق التشفي والعقاب.

نحو الحد من العقوبات السالبة للحرية

في إطار إحداث توازن بين تكريس حقوق الإنسان ووجوب تنزيل العقاب وضمان حقوق الدفاع أحدثت وزارة العدل في الغرض لجنة منذ سنة 2014 تضم مجموعة من القضاة المباشرين و المتقاعدين و جامعيين ومحامين واطارات قانونية عليا لإعادة صياغة مجلة الإجراءات الجزائية لضمان الحق في محاكمة عادلة في أجل معقول.

و مجلة الإجراءات الجزائية تعود إلى القانون عدد 23 لسنة 1968 المؤرخ في 24 جويلية 1968 والصادر بالرائد الرسمي في 26 و30 جويلية 1968 والمتعلق بإعادة تنظيم قانون المرافعات الجنائي أي إلى خمسين سنة على تطبيقها وهو ما يجعل إجراء تنقيح جوهري داخلها أمرا ضروريا نتيجة للتحولات الجذرية التي عرفها المجتمع التونسي وللسياسة الجزائية وتماشيا مع ما جاء به دستور 2014 وما صادقت عليه تونس من معاهدات واتفاقيات دولية في مجال حقوق الإنسان.

وأفاد عدنان العبيدي محام وخبير بلجنة مراجعة وإعادة صياغة مجلة الإجراءات الجزائية أن مشروع المجلة الجديد ذهب في إطار التنصيص على البدائل في كافة المراحل من تتبّع وإيقاف تحفظي وأيضا بدائل للعقوبات حيث تم ضبط 18 بديلا للإيقاف التحفظي كالإقامة الجبرية وإجراء منع الإقامة وتدعيم تحجير السفر وغيرها من البدائل للوضعية التي أصبحت عليها المؤسسات السجنية من امتلاء بنسبة كبيرة من الموقوفين على ذمة المحاكم وهي نسبة وجب النظر فيها خاصة أمام الانعكاسات الخطيرة التي يمكن أن تنجر عن عملية الاختلاط بين الموقوفين والسجناء أين يتلاقح ويتطور الفكر الإجرامي.

وذكر العبيدي أنّ هناك توجها كاملا نحو أنسنة العقوبة وتفريدها تماشيا مع ما يشهده العالم من تطور في المنظومة الحقوقية وأيضا أمام عدم تحقيق الردع والإصلاح داخل السجون.

ولفت إلى أن مشروع المجلة الجديد وسع في العقوبات البديلة فتم التنصيص على نظام السجون المفتوحة في بعض الجرائم غير الخطرة إذا ما تعهد المحكوم عليه بجملة من الشروط وهو ما يسمح له بممارسة عمله ومقابلة أسرته و إقرار نظام نصف الحرية الذي يمكن قاضي تنفيذ العقوبات من أن يحجر على المحكوم عليه الاتصال بالمتضرر أو مقابلة بعض الأشخاص أو ارتياد بعض الأماكن ويترتب عن الاخلال بها الرجوع في تلك الوسيلة.

وإضافة إلى نظام السوار الالكتروني وفقا لشروط مضبوطة سمح المشروع الجديد أيضا باستبدال العقوبة السجنية بغرامة مالية يومية فيمكن لقاضي تنفيذ العقوبات بعد موافقة المعني بالأمر على تعديل عقوبة السجن المحكوم بها والتي لا تتجاوز عاما سجنا تبديلها بغرامة مالية لا تقل عن 500 د يراعى عند تقديرها الإمكانيات المادية للمحكوم عليه.

و أضاف العبيدي أن المشروع الجديد ركز كثيرا على العقوبات البديلة معتبرا  أن هذه التطورات والجديد في مجال العقوبات من شأنه أن يساهم في تخفيف وطأة وكثرة أعداد نزلاء السجون مما يسمح بتحسين ظروف اقامتهم طبقا للمعايير الدولية وعدم اثقال كاهل الدولة بمصاريف كبرى لتوفير حاجيات ومستلزمات المساجين.

وان المتمعّن في ملامح الإصلاحات الجوهرية التي تسعى اليها الدولة التونسية اليوم على مستوى إجراءات القانون الجزائي والفلسفة التي انبنى عليها يلاحظ التوجه أكثر نحو التدابير غير الاحتجازية والعقوبات البديلة ووضع التشريعات والآليات الكفيلة لتكون موضع تطبيق مستقبلا وتحولا حديثا للسياسة الجنائية من سياسة عقابية إلى سياسة إصلاحية تنسجم مع حقوق الانسان الأساسية وتحقق الغايات المرجوة من نظام العدالة الجنائية.

المزيد

إستفتاء أفضل الرياضيين لسنة 2019

صوت لأفضل الرياضيين التونسيين لسنة 2019
تصويت

جهات

  16/12/2019 11:33
المهدية:بحارة المهدية يطالبون بالتسريع في صرف التعويضات بعنوان الأضرار الناجمة عن التلوث...
  16/12/2019 11:05
سيدي بوزيد : الفرع الجهوي للمحامين يطالب باعتماد تاريخ 17 ديسمبر يوما وطنيا للاحتفاء...
  15/12/2019 19:43
صفاقس : إفتتاح الدورة الأولى للمهرجان الثقافي الدولي "جسور" على وقع الدبكة الفلسطينية
  15/12/2019 18:48
وفاة شخصين وإصابة 11 آخرين من إطارات وعمال منجم طمرة بسجنان في حادث سير في مجاز الباب...

عالمي

16/12/2019 10:58
ذروة قياسية لأسهم أوروبا، والأنظار على مؤشرات مديري المشتريات
16/12/2019 10:48
بكين: قدمنا احتجاجات شديدة لأمريكا على طردها مسؤولين صينيين اثنين
16/12/2019 10:29
مصرع ثلاثة أشخاص إثر عاصفة في جنوب غربي فرنسا (حصيلة جديدة)

الأكثر قراءة

القصرين : عدد من متساكني منطقة هنشير الورغي بتالة يطالبون بإلغاء قرار تحويل مكتب بريد منطقتهم إلى منطقة وادي الرشح (1183 views)
خبير في مجال الطفولة يقترح تغيير الزمن المدرسي والاجتماعي ضمن مشروع للرقي بواقع الطفولة في تونس قبل موفى سنة 2025 (826 views)
ادراج "النخلة: المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات"على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية (590 views)

النشرة الثقافية لوكالات الأنباء العربية

  28/09/2019 10:00
النشرة الثقافية لوكالة الأنباء العمانية
  27/07/2019 14:18
النشرة الثقافية لوكالة أنباء البحرين
تحديثات تويتر النشرة الإخبارية الاتصال بنا

للحصول على النشرة الإخبارية، الرجاء التسجيل


tel: 71889000
fax: 71883500, 71888999