النشاط الخاص التكميلي لتجّار "أبقراط": وجهة قسرية للمرضى على حساب آلامهم وجيوبهم وتواطؤ مستتر بين أطباء وممرضين في المستشفيات العمومية
19/11/2019 16:58, تونس/تـــــــــــونـــــــــس

تونس 19 نوفمبر (وات- تحرير راقية سالمي)- "ضعف قلبي وعمري لا يساعدني على الذهاب والعودة" بهذه الكلمات ردّت الستينية "تونس" على الممرض الذي استبدل موعد مراجعتها بعيد الأجل بآخر قريب مقابل 50 دينارا نظير علاجها في النشاط التكميلي الخاص في المستشفى العمومي.

ترحيل مراجعات المرضى من مسار العلاج الحكومي إلى النشاط التكميلي الموازي يتكرر مع آلاف المرضى الذين يضطرون إلى دفع بدل علاج يلامس تعريفة القطاع الخاص، في بلد لا يتجاوز معدل دخل الفرد فيه 650 دينارا شهريا (285 دولارا)، حسب تصنيف موقع نومبيو(Numbeo) المختص في إحصاءات كلف المعيشة ورفاهية الحياة حول العالم، على وقع تواطؤ بين أطباء وممرضين بحسب ما يوثق هذا التحقيق.

أذعنت المسنّة "تونس" مستبشرةً بعد أن خُيّرت بين الدفع وألم الانتظار في الزحام وتصدّع أذنيها من أصوات المرضى الغاضبين بقاعات الانتظار. وهكذا دفعت مبلغاً يوازي عشرة أضعاف تعريفة العلاج المنخفضة في المسار العادي (4.5 – 10 دنانير) كي لا تنتظر ثلاثة أشهر أخرى تتكبّد فوقها 150 ديناراً مقابل سيارة أجرة من إحدى قرى مدينة تالة الجبلية/ ولاية القصرين، (250 كلم) وسط غرب البلاد (53 دولارا تعريفة سفر + 35 دولارا كشفية مضاعفة).

تبعت "تونس" الممرض الذي دسّ بيدها ورقة كتب عليها حروفا لم تفهمها، سلّمت الإيصال إلى ممرضة المراجعات الخاصّة التي تسلمت منها 50 دينارا، ما يعادل مصروف أسبوع لعائلة هذه القروية التي تعتاش من تربية الدواجن والماشية، ثم حجزت لها موعدا لذلك اليوم. وتبين لاحقا أن الورقة تضمنت الأحرف الأولى لاسم الممرض كوسيط يقدّمها لاحقا للحصول على عمولته، طبقا لاتفاق ضمني مسبق بين الطرفين؛ أطباء وممرضين.

يندرج عمل الأطباء خارج الدوام الرسمي ضمن أمر (قرار) سمحت وزارة الصحة بموجبه عام 1995 بالعمل خارج الدوام الرسمي لأساتذة الطب الجامعيين والأساتذة المحاضرين المبرزين في المستشفيات العمومية بأقدمية خمس سنوات على الأقل. يتيح القرار رقم 1634/ 1995 لهذه الفئة ممارسة نشاط تكميلي (خاص) لمدة سنة قابلة للتجديد بطلب منهم وبموافقة وزير الصحة، مقابل خصم 47 % من المداخيل المتحصلة؛ 30 % منها لفائدة المستشفى، حيث يعمل الطبيب المستفيد و17 % نظير استخدام التجهيزات الطبّية. كما يسمح بممارسة هذا النشاط لحصتين مسائيتين أسبوعياً مقابل بدل مالي لكل مريض يقدَّر معدله بـ 50 ديناراً طبقا للتعريفة المعتمدة في مجال الاختصاص، على أن توثّق في سجل إدارة المؤسسة الطبية وفق آخر تعديل للائحة عمادة الأطباء في جانفي 2019 . يبلغ متوسط زيارة الطبيب المختص في القطاع العام 35 ديناراً (12 دولارا) مقابل 70 دينارا (24 دولارا) للمختص.

وتتبعت معدّة التحقيق حالات خرق اقترفها عشرات الأطباء لنظام العلاج التكميلي مقابل تعريفة جائرة، وسط محاباة مرضى ميسوري الحال دون تسجيل أعداد المراجعين ودخل الأطباء الإضافي. كما رصدت مخالفة عدم تجديد رخص مزاولة المهنة لدى وزير الصحة، و إهمال أطباء لمهمتهم في الإشراف وتدريب طلاب الطب في المستشفيات الجامعية.

كيف عملنا؟

على مدى تسعة أشهر، رصدت معدة التحقيق خمسة مستشفيات جامعية في العاصمة تونس: الرابطة، شارل نيكول، مستشفى الأطفال البشير حمزة، مركز التوليد وطب الرضيع فضلا عن معهد الهادي الرايس لأمراض العيون. يستفيد من هذه المستشفيات نحو ثلاثة ملايين و200 ألف مواطن من متوسطي الدخل، فيما تستفيد 285 ألف عائلة معوزة من بطاقة العلاج المجاني، حسب إحصائيات وزارة الشؤون الاجتماعية لسنة 2019

رافقت معدّة التحقيق 15 حالة مرضية - أصدقاء وأقارب راجعوا العيادات العمومية- واستندت إلى شهادات 20 مريضا عانوا في قاعات الانتظار. ووثقّت أيضا اضطرار مرضى إلى رشوة ممرضين مقابل تسريع علاجهم من العيادات العامّة الى عدد من الأطباء المنتفعين من النشاط التكميلي الخاص ضمن ما يشبه شبكة سمسرة داخلية في كل مركز.

واستنادا إلى مسح شمل عينة من 100 مريض، يقدّر تسعة من كل عشرة منهم أن معدّل دخل الطبيب/ الممرض من ممارسة هذا النشاط يصل إلى 2500 دينار (840 دولارا) يوميا مقابل معالجة 50 مريضا خارج السجل الرسمي. إذ يتسلم الممرض/ة رسوم العلاج مباشرةً عوض إيداعها بالخزينة، ودون أن يسجّل الدخل في دفتر خاص للمتابعة أو تقديم وصل للمريض عما دفعه. يشكّل ذلك مخالفة لمضمون الفصل 11 من قرار النشاط التكميلي، الذي ينص بوضوح على تسجيل وإيداع الأجور بالخزينة مقابل إيصال يُسلّم بدل استلامها.

بين النظري والفعلي: شبكات منفعة متبادلة

بحسب الأنظمة، يوجّه مرضى إلى أطباء الاختصاص بناءً على تحويل من زميل في الطب العام المباشر في المستوصف، المستشفى المحلي أو الجهوي. ثم يحدّد موعد مراجعة بعيد المدى قد يمتد حتى تسعة أشهر، ما يدفع بالمرضى إلى قبول عروض شبكات سمسرة تستدرجهم صوب مسارٍ موازٍ.

راقبت معدّة التحقيق تفاصيل ما يجري: في التاسعة صباحا وما إن تغلق نوافذ التسجيل؛ يشرع العون (ممرض/ة) في توزيع ملفات المرضى على الأطباء المباشرين، لتعم جلبة احتجاجات على حرمان البعض من التسجيل وبالتالي حق المراجعة. في تلك الأثناء يتهامس وسطاء الشبكات - المؤلفة من أعوان (موظفي حراسة وممرضين) - بذريعة إيجاد حل لمن يذعن لمقترح تغيير المسار العلاجي من القطاع العام نحو النشاط التكميلي الخاص.

ذات التسلسل ترويه المريضة ليلى ( 43 سنة)، التي تفاجأت حين سألت إحدى الممرضات عن مختص بأمراض النساء، بأن تجاوبت معها بمهاتفة ممرض جاء مرتديا بزتّه البيضاء. "حجز لي موعدا فوريا لدى رئيس قسم النساء والتوليد بمركز التوليد وطب الولدان بتونس".

وتقرّ كل من الجامعة العامة للصحة التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل والنقابة الأساسية بمستشفى الرابطة في العاصمة بانتشار شبكات تضم ممرضين وأطباء وأعوان في مختلف الأقسام. ويتفق الكاتب العام للجامعة العامّة للصحة عثمان الجلولي مع نظيره في النقابة الأساسية عبد الفتاح العياري حول قيام هؤلاء ب "اصطياد" مرضى وإسهامهم في تدمير قطاع الصحة العمومية وسط غياب الرقابة.

(مقابلة)

من جانبه، يشكو كاتب عام نقابة أطباء الاختصاص في الممارسة الحرّة فوزي الشرفي من أن هذا النشاط يؤثر سلبا على أطباء القطاع الخاص بسبب هذه "المنافسة غير الشريفة"، إلى جانب استغلال تجهيزات وكفاءة القطاع العام دون مقابل.

طلاب الطب.. دون تدريب

الانشغال بالنشاط التكميلي يحرم طلاب طب من التعليم العملي في المستشفيات الجامعية قبل تخرجهم، إذ ينشغل الأساتذة عنهم بالحالات المرضية المدفوعة، فيما تفوض لهم مهمات علاجية لحالات تتطلب إشراف اختصاصي.

في المستشفيات الخمسة التي ركز عليها التحقيق، اشتكى خمسة طلاب مقيمون انشغال أساتذتهم عن تدريبهم. يقول أحد الطلبة الذي رفض الإفصاح عن هويته: "نعالج يوميا 30 حالة في حين نفتقد للتدريب والإحاطة والاستشارة بسبب انشغال الأساتذة الاستشفائيين بممارسة النشاط التكميلي". ويتابع قائلا:" عوض مشاركتنا الأساتذة المشرفين في تشخيص الأمراض ووصف العلاج، توكل لنا المهمة العلاجية برمتها؛ ما يحرمنا من إشرافهم وتوجيههم حتى في بعض الاختصاصات الجراحية الدقيقة التي تستوجب الاستشارة من الأساتذة".

الجلولي وعبد الفتاح دعما شهادات الطلاب وأفادا بأن أطباء ممارسين لهذا النشاط تخلّوا عن واجباتهم الأصلية في علاج مرضى المنظومة العمومية، الإشراف على البحوث والدراسات الطبية وتدريب الأطباء المقيمين. يتسبّب ذلك في تراكم الملفات، تباعد المواعيد والإضرار بمستوى التكوين (التدريب) الطبي وشبه الطبي، وكذلك بجودة خدمات المنظومة الصحية وقدرتها على تلبية متطلبات روادها.

مخالفات من دون رقابة

في الوقت الذي ينتظر مريض المسار العمومي مع ألمه لعدّة أشهر حتى توفّر سرير يستقبله، توسط طبيب لإدخال مريض سرطان يعالج من خلال النشاط التكميلي إلى غرفة "مميزة" داخل المستشفى الجامعي "شارل نيكول"، بحسب المريض الذي تحفّظ على ذكر اسمه خشية أن يتأثر مسار علاجه.

قابلت معدة التحقيق المراجعات سلمى وفاطمة وخديجة (أسماء حقيقية) أثناء انتظارهن داخل عيادة أمراض النساء والتوليد بمستشفى "وسيلة بورقيبة". جميع السيدات أكدن أنهن يراجعن صباحا طوال أيام الأسبوع بمكتب الطبيب الخاص، ويتم تشجيعهن لوضع مواليدهن أو إجراء العمليات القيصرية بالمصحّات الخاصة. وبذلك يكون الطبيب قد خالف مقتضيات الفصلين 8 و9 من الأمر (القرار) رقم 1634 الذي يجبر الطبيب الأستاذ على ممارسة النشاط التكميلي في الحصص المسائية فقط؛ بما لا يتجاوز حصتين أسبوعيا.

اتّجار بالمرضى

أثبتت نتائج دراسة بعنوان " مدركات الفساد في قطاع الصحة في تونس" قامت بها المدارس الكبرى في الاتصال بالتعاون مع مبادرة "الشراكة الشرق أوسطية" التابعة لسفارة الولايات المتحدة بتونس، أن الأساتذة المبرزين انهمكوا في النشاط التكميلي الخاص على حساب العلاج في القطاع العام الذي أمسى أحد آليات تحويل وجهة المرضى من القطاع العام إلى القطاع الخاص.

الدراسة التي نشرت باللغة الفرنسية يوم 30 أفريل 2019 أكدت وجود "شبكة منظمة للإتجار بالمرضى" يقوم في إطارها موظفو القطاع الصحي بتحديد المرضى الأيسر حالا وتحويل وجهاتهم للنشاط التكميلي نحو أطباء يتعاملون معهم مع وعود بعلاج أفضل لدى مختصين ذاع صيتهم وبأفضل النتائج، وفي بعض الحالات إقناعهم بترك العلاج في المستشفى العام والاتجاه للخاص.

كما أثبتت الدراسة حسب شهادة المهنيين والمتدخلين في القطاع الصحي أن بعض المرضى يقضون الأسابيع داخل المستشفيات بانتظار إجراء عمليات جراحية يتم تأجيلها قصدا لدفعهم لإجرائها داخل المصحة الخاصة.

بالتزامن حصلت معدة التحقيق حصريا على تقرير غير منشور صدر عام 2018 للتفقدية الطبية بوزارة الصحة؛ وهي أعلى هيكل رقابي على النشاط الطبي، يفيد التقرير بأن 60 % من الأطباء المرخص لهم بممارسة النشاط التكميلي لم يجدّدوا رخصهم السنوية، ما يعني أنهم يمارسون هذا النشاط بشكل غير قانوني في ظل ضعف الرقابة وعجز بعض هياكل الدولة على إنفاذ القانون ومعاقبة المخالفين.

مخالفة قسم أبقراط

يفيد تقرير عملية المراقبة التي أنجزتها التفقدية الطبية بأن 48% من الأساتذة المبرزين في الطب يمارسون النشاط التكميلي بوضعيات غير نظامية، ويسيئون تطبيق الأمر عدد 1634 ولا يحترمونه، رغم "قسم أبقراط" الذي يؤديه الأطباء قبل ممارسة المهنة والذي يتعهدون بموجبه باحترام أخلاقيات المهنة واتباع قوانينها.

اعتمد التقرير على عينة عشوائية تضمنت 95 طبيبا محاضرا في 10 مستشفيات حكومية و 15 مصحة خاصة، أثبت أن 60% من العينة يمارسون هذا النشاط خارج الأيام المرخص بها و63% لم يجددوا الرخصة السنوية، كما بيّن أن 55 % من المرضى يراجعون دون المرور بالعيادات داخل المستشفى مع استحالة متابعة مداخيل الأطباء الحقيقية لعدم اعتماد سجل موحد، وبذلك يخالفون الفصل رقم 12 من الأمر عدد 1634 الذي يجبر الطبيب على إبرام اتفاقية مع المؤسسة الطبية المنتسب لها من أجل استغلال تجهيزاتها للقيام بالبحوث المرتبطة بتلك العيادات، إذ لم تبرم ثمان مستشفيات - 5 بتونس و1 بسوسة و2 بصفاقس- أي اتفاقية بحسب ما أفادت به التفقدية.

النقابي عبد الفتاح العياري يوضح أن الأوضاع غير النظامية تتسبب بخسارة المستشفى العام للعائد المالي والذي لم تقم وزارة الصحة بتقدير قيمته بعد.

يعلل ستة أطباء من ممارسي النشاط التكميلي - رفضوا الإفصاح عن هوياتهم- مخالفاتهم بسبب البيروقراطية الخانقة في المستشفيات، والإجراءات الإدارية المعقدة، وعدم توفير المؤسسات الاستشفائية مكتباً لتسجيل العيادات الخاصة وسجلاً للغرض وإطاراً مكلفاً بضبط عدد العيادات وتوقيتها.

يُجمع الأطباء أيضاً على أنهم لا يحصلون على مستحقاتهم المالية من الزيارات التكميلية لفترات تتجاوز الستة أشهر، في الوقت الذي تنفي المؤسسات الاستشفائية تعطل صرف مستحقاتهم في الآجال المنصوص عليها.

وتفيد إحصائيات وزارة الصحة بأنها منحت 343 طبيباً برتبة أستاذ مبرز حق ممارسة هذا النشاط عام 2018، أي ما يعادل 30 % من 1183 طبيبا جامعيا وطبيبا يعملون بـ 34 مؤسسة استشفائية جامعية في 11 ولاية تونسية.

مدير عام التفقدية الطبية السابق بوزارة الصحة طه زين العابدين الذي أشرف على عملية التفقد قال إن بعض الأطباء قاموا بتسوية أوضاعهم مع انطلاق حملة التفقد؛ إذ لم يكونوا قد أبرموا اتفاقيات باستغلال التجهيزات، وعدّ أن عمليات التقييم السنوية لم تكن كافية للحد من التجاوزات، وأن الوضع يحتاج لمراقبة دورية مكثفة مع إنفاذ القانون.

على إثر هذا التفقد، أقرت التفقدية جملة من العقوبات ذات الطابع الإداري بحق المخالفين والمؤسسات الاستشفائية الخاصة وبعض مديري المستشفيات العمومية، لم تستطع معدة التحقيق الحصول عليها رغم تقدمها لحق الحصول على المعلومة، وجاء الرد إنشائياً وفضفاضاً.

التدخل لردع المخالفات لا يتعدى أحيانا إصدار منشور تنبيهي وإعلامي، ليبقى المخالفون خارج دائرة المحاسبة إلا في حالات قليلة

من جهتها، أوضحت المديرة العامة للصحة السابقة نبيهة البورصالي فلفول أن العقوبات تتراوح بين سحب الترخيص والتجريد من الصفة الوظيفية والإيقاف المؤقت عن العمل، إلا أنها رفضت تقديم أي إحصائيات دقيقة بشأن إجمالي التجاوزات والإجراءات العقابية. ولم يرصد التحقيق إلا حالة واحدة في عام 2016 تمثلت بتجريد رئيس قسم من صفته لمدة محددة ثم عاد لمباشرة عمله.

وحمّلت البورصالي المسؤولية لوزراء الصحة السابقين وللمشرفين والمدراء العامين للمؤسسات الاستشفائية، والذين تعذرت مواجهتهم بالاتهامات لتهربهم من مقابلة معدة التحقيق والإجابة على أسئلتها، وتغاضي وزارة الصحة عن طلبها الرسمي بإجبارهم على الرد.

وفي الرد الوحيد الذي ظفرت به معدة التحقيق من المديرة العامة لمركز التوليد وطب الرضيع حياة ثابت (المُقالة من منصبها بعد فاجعة وفاة الرضع بتونس العاصمة يومي 7و8 مارس 2019) أنكرت جميع المخالفات التي وثقها التحقيق و شهادات العيان ونتائج دراسات عمليات المراقبة للقطاع الصحي، وأصرت على أن 6 أساتذة محاضرين ورؤساء أقسام من بين 50 طبيباً داخل المركز يمارسون النشاط التكميلي ويستقبلون في إطاره المريضات وفقا للأمر المنظم له، وأن معدل الفحوصات لا يتجاوز 20 حالة، خلافا لما أثبتناه سابقا (من 50 إلى 60 مريضا).

معيقات الحلول

أمام هذه التجاوزات التي يذهب ضحيتها آلاف المرضى، تتالت الدعوات من قبل بعض وزراء الصحة بعد عام 2011 لوضع حد لهذا النشاط برمته ومراجعته، ومن هؤلاء عبد اللطيف المكي وسعيد العايدي.

تقدمت الكاتبة العامة لنقابة الأطباء وأطباء الأسنان والصيادلة الاستشفائيين الجامعيين حبيبة الميزوني وكاتب عام نقابة أطباء الاختصاص والممارسة الخاصة فوزي الشرفي بمقترحات تمثلت بمراجعة نظام أجور أطباء الصحة العامين المقدرة ب3 آلاف دينار حاليا في حين يجني زميله في النظام التكميلي الخاص او في القطاع الخاص بين ( 15 و 20 ألف دينار شهريا)؛ ليتلاءم مع مكانتهم العلمية ويشجعهم على الاستقرار في القطاع العام دون اللجوء للنشاط التكميلي أو حتى الهجرة.

وأيد هذه الاقتراحات وزراء الصحة السابقين عبد اللطيف المكي وسعيد العايدي وعماد الحمامي الذين رفضوا فكرة إلغاء النشاط الخاص التكميلي كونه سيؤثر سلبا على خدمات القطاع العام.

مُتّنت مطالبات تصويب الأوضاع بدعوة رئيس المجلس الوطني لعمادة الأطباء منير يوسف مقني إلى مراجعةً القرار 1634 بما يتلاءم ومتطلبات القطاعين العام والخاص ويراعي مصالح المريض والطبيب الممارس في القطاع العام أو بصفة حرة على حد السواء، وتبناه وزير الصحة المستقيل عبد الرؤوف الشريف الذي تعهد بتطبيق القانون حيال جميع المخالفين، بيد أنه لم يستلم تقرير التفقدية الذي يرصد مخالفات النشاط التكميلي لغاية يوم 9 ديسمبر/كانون الأول 2018 أي بعد أكثر من شهر من تعيينه وصولا ليوم استقالته إثر "فاجعة وفاة الرضع".

ويبدو أن مراجعة هذا النشاط والوقوف على هناته ليس من أولويات وزيرة الصحة بالنيابة سنية بالشيخ التي لم تتطرق له نهائيا منذ تعيينها في مارس 2019، ولم نتمكن من محاورتها بسبب تأجيل مواعيد الحوار لأكثر من أربع مناسبات متتالية لانشغالها بين وزارتي الصحة وشؤون الشباب والرياضة حسب المكلف بالإعلام بديوان الوزيرة شكري النفطي.

ولا تعير لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية داخل مجلس نواب الشعب هذه الأنشطة المخالفة أي أهمية بحجة أن تنظيمها أتى بـ "أمر" وليس بـ "قانون" وبذلك فإن التدقيق فيه يظل من مشمولات الحكومة حسب ما أكده رئيس اللجنة النائب الدكتور سهيل العلويني.

يبدو أن ممارسات المستشفيات العمومية للنشاط التكميلي بوضعه الحالي الذي رصده ووثقه التحقيق؛ ستواصل معاناة آلاف المرضى الذين يقعون ضحية لشبكات السمسرة المستفيدين من غفلة وزارة الصحة وتملّص مجلس النواب.

أنجز هذا التحقيق بدعم من شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) بإشراف الزميلة بهيجة بلمبروك.

المزيد

الأكثر قراءة

وزارة الصحة: 68 حالة وفاة و 1206 حالة إصابة جديدة بفيروس كورونا الى غاية 20 نوفمبر الجاري (580 views)
وزارة الصحة : 69 حالة وفاة و 1240 إصابة جديدة بفيروس كورونا بتاريخ 21 نوفمبر الجاري (426 views)
أهم أنشطة بعثة تونس الدائمة لدى منظمة الأمم المتحدة بنيويورك (311 views)

النشرة الثقافية لوكالات الأنباء العربية

تحديثات تويتر النشرة الإخبارية الاتصال بنا

للحصول على النشرة الإخبارية، الرجاء التسجيل


tel: 71889000
fax: 71883500, 71888999