تلوث بيولوجي وكيميائي يخنق وادي مجردة، شريان الحياة في تونس والجزائر
18/09/2020 10:18, تونس/تـــــــــــونـــــــــس

تونس 18 سبتمبر 2020 (وات) /تحقيق استقصائي: إعداد شريفة الوسلاتي ونعيمة عويشاوي/ - كأنه لم يكن يصارع المرض، تسلّل وهج روح تونس "وادي مجردة" إلى سراديب روح عامر الحرشاني، خبير المياه وكاتب الدولة للمياه بتونس لمدة 17 سنة، وأنعشت مخيلته ذكريات 60 سنة واكب فيها مسيرة "باقرادا "، لتعود هذه الذاكرة إلى توقدها وحيوتها ونشاطها ..

  احتدّت نبرة صوته رفضا لأنين مجردة، هذا الوادي العذب الذي وهب الحياة لتونس تحت وطأة سكب شديد لملوثات صناعية وحضرية، ومن محطات التطهير التي شيّدت من أجل حمايته، قائلا بحرقة أن "ما يحدث جريمة بحجم الكبائر يجب ان يكون عقابها السجن"، ومتابعا "عندما كنت كاتب دولة لم أكن أعترف الا بالسجن عقابا لمن يلوث المياه ويصادر حق الأجيال القادمة في مياه عذبة ونظيفة". 

)"عندما كنت كاتب دولة لا عقاب لمن يلوث المياه سوى السجن...لايمكن التسامح مع مرتكبي هذه الجرائم " (عامر الحرشاني

يتحول نهر مجردة نبع الحياة بتونس والجزائر شيئا فشيئا الى مستنقع ملوّث بمياه صرف صحّي لا تستجيب للمواصفات، وملوّثات صناعية و فضلات وسموم تهدّد الحياة، واستفحل هذا الوضع في السنوات الاخيرة، امام لامبالاة ملحوظة في التعامل مع ملف التلوث المائي المهدد للزرع والإنسان والحيوان والمائدة المائية السطحية والعميقة.

باقرادا الحياة

نهر مجردة أو باقرادا حسب تسميته اللاتينية القديمة هو أهم أنهار المغرب العربي طولا ومساحة وباعتبار كمية مياهه، وهو الاهم في تونس و الوحيد بها الذي لا ينضب سيلانه طوال السنة. 

"التصرف فى تلوث مجردة لا يقل اهمية على التصرف فى مياهه"

يوفر مجردة نصف المياه العذبة لتونس بنقله سنويا حوالي 811 مليون متر مكعب من المياه انطلاقا من تل الأطلس منبعه شمال شرق الجزائر وتحديدا بسوق أهراس، و يشق جزء كبير من الشمال التونسي وصولا الى البحر الأبيض المتوسط على مسار 484 كيلومترا، منها 350 كلم بتونس، و يمتد حوضه على مساحة 23 ألف و500 كلم مربع، منها 7600 كلم مربعا بالجزائر. 

يتغذّى مجردة وهو يشق الجبال والسهول والهضاب، من شرايين وروافد عديدة تصب في  ضفتيه اليسرى واليمنى وأحواضه، مشكّلة قائمة طويلة فى تونس والجزائر ومنها وادي ملاق وتاسة وسد سيدي سالم.  خارطة

يعبر مجردة فى هدوء احيانا، وفى صخب احيانا اخرى، سوق اهراس بالجزائر ثم الكاف والناظور وغار الدماء وجندوبة وبوسالم وباجة وتبرسق وتستور ومجاز الباب وسليانة وطبربة والجديدة والكاف وسليانة  والناظور، قبل ان تنتهي رحلته في احضان البحر الابيض المتوسط، وتحديدا بقلعة الأندلس من ولاية أريانة.

تطوّرت الانشطة والحياة على مرّ التاريخ حول مجردة "روح تونس وشريان الحياة بها " حسب عامر الحرشاني، لكنه ظل دائما محور الإستراتيجية المائية والفلاحية بها، و أقيمت عليه أهم السدود منذ بداية القرن الماضي على غرار سد سيدي سالم وملاق وبني مطير وكساب والعروسية ولخماس.   

وفرض تطوّر الانشطة الاقتصادية والسكان (2 فاصل 9 مليون ساكن سنة 2004 و 3 فاصل 14 مليون ساكن في الجانب التونسي في 2014) تحديات شتى مغايرة لما واجهه فريق المهندسين الاوائل الذين جندتهم الدولة التونسية للسيطرة على مجردة في الستينات، و منهم عاشق الوادي الحرشاني، والذين واجهوا في البداية تحدي ”ملوحة الترياس“ (وهي نوع من الاحجار ذات الملوحة العالية) . 

تحدي اعتبره عاديا آنذاك، انطلاقا من أنه "يجب التحكم في تلوث الوادي وصعوباته تماما كما التحكم في مائه" .

         202 وحدة صناعية شديدة التلوث بحوض مجردة           

في 20 فيفري 2020 شهدت محطة التطهير بباجة شللا تاما و تدفقا للمياه المستعملة دون معالجة مباشرة في وادي باجة، أحد أهم روافد وادي مجردة. و كان السبب المباشر لهذا الشلل "تسلل مياه صناعية تفوق طاقة المحطة بنسبة ألف بالمائة" حسب ما أكده المدير الجهوي لديوان التطهير بباجة فتحي الجبالي للجنة مجابهة الكوارث، منها زيوت مصنع للزيت بالمعقولة (منطقة بولاية / محافظة باجة) .   

    لم يقتصر هذا السيناريو على محطة باجة، فهو يتكرر بأغلب محطات ضفاف حوض وادي مجردة، حيث تحاصر 202 وحدة صناعية شديدة التلوث روافد مجردة حسب نتائج دراسة قامت بها وزارة البيئة حول "وضع برنامج مندمج لإزالة التلوث بوادي مجردة، في جزئها الأول المتعلق بالخاصيات الفيزيائية لوادي مجردة : تشخيص معمق للأنشطة الاقتصادية ومصادر التلوث ودراسة مختلف الآثار الواقعية والمحتملة "، فقد بينت أن تلوث هذه الوحدات أكثر ارتفاعا بما يتراوح بين عشرة الى مائة مرة مقارنة بالمياه المستعملة المنزلية، وأن 75 بالمائة من الوحدات الصناعية الملوثة متمركزة بمناطق الموائد المائية، و 11 منها قريبة جدا من حدود المائدة المائية. 

(انظر الخارطة)

و يأتي تركيز التلوث من النسيج الصناعي بدرجات متفاوتة في أحواض سكب مجردة، اذ يمثّل السكب الحضري نسبة 83 بالمائة من مجموع التلوث المائي، لكن ال13 بالمائة من المنسوب المتأتي من السكب الصناعي يمثل مصدر 63 فاصل 5 من الطلب الكيميائي للاكسجين( كمية الأكسجين المطلوبة للكائنات الحية في الماء لتحلل المواد العضوية)، و54 فاصل 5 من الطلب البيولوجي للأكسجين(وهي كمية الأكسيجين المستعملة في ظروف خصوصية والمحلولة من خلال الأكسدة البيولوجية لمادة عضوية أو غير عضوية)          و47 فاصل 5 بالمائة من المواد العالقة. 

وقدرت كمية هذا التركيز المتأتي من المياه الحضرية والصناعية المسكوبة بحوض مجردة ب60 الف طن في السنة، منها 36 فاصل 5 من المجال الحضري، و 63 فاصل 5 متأتية من الوحدات الصناعية التي يتموقع أكثر من نصفها بنسبة 51 بالمائة في الحوض السفلي لمجردة و26 فاصل 2 بالمائة منها في الحوض العلوي، وأساسا بولايتي باجة ومنوبة، اين يسجل تركيز عال للطلب البيولوجي والكيميائي للاكسجين.   

تصرف المصانع سرّا وجهرا مخلفات الإنتاج والسموم في مجرى الوادي وروافده منذ سنوات، وهو ما أصر الخبير عامر الحرشاني على انه "عمل اجرامي في حق مجردة وأطفال تونس".

"  السكب الحضري 83 بالمائة من مجموع التلوث المائي، لكن ال13 بالمائة من المنسوب المتأتي من السكب الصناعي يمثل مصدر اكثر من 63 بالمائة من الطلب الكيميائي للاكسجين ". 

 

وتنشط اغلب الوحدات الصناعية الملوثة التى تم احصاؤها (56 بالمائة) في قطاع الصناعات الغذائية، حيث يصب 113 مصنعا للصناعات الغذائية الفلاحية في الحوض السفلي والعلوي لمجردة، و عبر أودية ملاق وسليانة وتاسة وخلاد ووادي باجة والبسيم وشافرو   

و اثبتت نتائج عينات تحاليل مخبرية لسكب مصانع بالحوض السفلي لمجردة، أجراه فريق من الباحثين بمخابر مدرسة المهندسين بمجاز الباب، حسب تاكيد الباحثة  والاستاذة الجامعية فاطمة الطرابلسي، وجود التلوث بعناصر الزنك والكادميوم  والرصاص والكروم والمنغنيز، وعدم الاحترام كليا للمواصفة الوطنية ان ت 09 ومواصفات المنظمة العالمية للصحة. 

  بحسرة وغضب مكتوم، تشير الباحثة الى أن تركيز هذه العناصر ينعكس سلبيا و بصفة كبيرة على النباتات و الأرض و المائدة المائية، مؤكدة ان كثافة الاكسيفيا (ماء وفضلات الطماطم) التي تفرزها مصانع الطماطم ستزيد الطلب الكيميائي للاكسجين والتلوث الكيميائى والبكتيري، حيث يحمل عناصر عضوية في الماء تقوي الطلب البيولوجي للاكسجين، فهي عبارة عن "آلة بكتيريا" تستهلك الاوكسجين، اضافة الى الملونات والعناصر المعدنية الصادرة عن مدابغ الجلد.   

وحذّرت من تأثير تلوث المياه السطحية على المياه الجوفيّة وإمكانية تسرب عناصر سامة للمائدة المائية، في مخالفة واضحة لمقتضيات القانون عدد 16 لسنة 1975 المؤرخ في 31 مارس 1975، المتعلق بإصدار مجلة المياه، الذي ينص في الفصل 110 أنه “يحجر القيام بأي إيداع سطحي من شأنه أن يلوث عن طريق التسرب المياه الموجودة بباطن الأرض أو المياه السطحية عن طريق السيلان".     

كما كان تقرير المرصد التونسي للبيئة والتنمية المستدامة لسنة 2014 قد أكد أن تصريف المياه الصناعية بالوسط الطبيعي تسبب في تدهور نوعية المياه و تلوثها.   

  موجة تلوث من الجزائر...الى تونس

  تنطلق رحلة التلويث الصناعي لمجردة من منبعه في الجزائر، وقد أثبتت دراسة قام بها سنة 2014 الأستاذ المحاضر بكلية علوم الطبيعة و الحياة بجامعة ســوق أهراس علي عبد المطلب بعرور، واعتمدتها دراسة وزارة البيئة المذكورة انفا، ان مصانع ذات انشطة متنوعة ومنها الملابس وصناعة الورق والأقلام والحديد والصناعات الكيميائية بسوق هراس ومسكيانة واونزة وبوكردة تلقي فضلاتها الملوثة في الوسط الطبيعي.

      وكشفت الدراسة الجزائرية أن مياه السكب الصناعي مختلفة جدا عن فضلات التجمعات السكنية التى تقع بها، باحتوائها على مواد عضوية و مواد كيميائية على غرار الأزوت والفسفور ومواد سامة ومعادن ثقيلة ومواد بترولية حسب نوعية النشاط. 

  محطات معالجة اولية  "شكلية " أو غير موجودة اصلا

عاينت معدتا التحقيق مخالفات للمواصفات والكميات التي ضبطها الأمر الصادر في 26 مارس 2018 بعدة وحدات صناعية، ورغم أن الإجراءات تفرض على الصناعيين معالجة المياه المستعملة قبل القائها في شبكات التطهير، إلا أنه رغم تشجيعات صندوق مقاومة التلوث )فوداب)، وانتفاع عدد من الصناعيين بمنح، فقد تواصل سكب المصانع والمعاصر والورشات لمياهها المحملة بالشحوم والكروم والزيوت والمرجين في الوسط الطبيعي دون معالجة.

  "مخالفة صناعيين ومنشات دولة للفصل 44 من الدستور التونسي الذى ينص على" ان المحافظة على الماء وترشيد استغلاله واجب على الدولة " 

تتوفر بمصنع للمصبرات الغذائية بتستور -الذي يلقي بكميات مهولة من مياهه الصناعية مباشرة بوادى سليانة- محطة معالجة أولية غير مستغلة، حسب معاينة وتوثيق معدة التحقيق في شهر جويلية 2020 فترة ذروة الإنتاج. و بسؤالها صاحب المصنع ردّ بلامبالاة أن المصنع "لا ينشط في قطاع المواد الكيميائية بل يحول فواكه ليست بها مواد سامة او مضرة”.

  وألحّ على أن الماء الذي يخرجه المصنع انظف من المياه الموجودة في الوادي، مصرا على ان محطة المعالجة الاولية تعمل، في حين أنها كانت في حالة جفاف تام، كما أكد أحد العاملين بالمصنع انها لم تشتغل طيلة فترة عمله.   

وفي مصنع للأجبان ببرج التومي من ولاية منوبة، الذي ارقت روائح مخلفاته المتساكنين و أزكمت أنوفهم، تمت معاينة وضعية محطة المعالجة المعطّبة، رغم إصرار صاحبها لمراقبي الوكالة الوطنية لحماية المحيط والبيئة على انها تعمل، حيث تراكمت الزيوت والاجبان في الأحواض التي إسود لونها وانبعثت منها روائح كريهة. 

أجمع خبراء الوكالة الوطنية لحماية المحيط -كما أثبتت جملة التحاليل المجراة في الغرض من قبل ديوان التطهير أو الوكالة- عدم تشغيل محطات المعالجة الأولية التي من مهامها ازالة الزيوت والشحوم والمواد السامة والضارة.

  وأثبت المركز المتوسطي للتحاليل البيئية والصناعية بتاريخ 13 جوان 2020 عدم مطابقة سكب معمل الخمير بباجة الشمالية  للمواصفات، حيث سجل تجاوز كبير للطلب الكيميائي و البيولوجي للاكسجين والفسفور للنسب المسموح بها. 

وكشفت تحاليل شركة للزيوت بالمعقولة بتاريخ 29 جانفي 2020 ان تجاوز الطلب الكيميائي للاكسجين كان ارفع 13 مرة من المسموح به و 13 مرة أيضا بالنسبة للطلب الكيميائي للاكسجين ومضاعفا باكثر من 8 مرات من كميات الفسفور المسموح بها   

وأكدت تحاليل مصنع للمشروبات الغازية بتاريخ 30 جوان 2020 تجاوز الطلب الكيميائي للاكسجين بقرابة المرتين والنصف و تجاوز الطلب البيولوجي للاكسجين باكثر من مرتين ونصف ( 944 ملغ في اللتر مقارنة ب400 ملغ في اللتر) 

أما احد مصانع الطماطم بباجة ، الذي تتوفر لديه محطة للمعالجة الأولية، فبتاريخ 22 جويلية 2020 أثبت تحليل لنقطة خروج المياه لمحطة التطهير أن الطلب الكيميائي للاكسجين بلغ 3500 مرة مقارنة بالمواصفات التونسية (الف ملغ في اللتر) وبلغت كمية المواد العالقة 1130  مغ في اللتر مقارنة ب 400 مغ في اللتر حسب المواصفات.   

وأظهرت نفس التحاليل في الخروج النهائي بمحطة التطهير، ان الطلب الكيميائي للاكسجين بلغ 7500 مغ في اللتر مقارنة بألف ملغ في اللتر ، والمواد العالقة 6000 مغ في اللتر مقارنة ب400 ملغ في اللتر، و ان الطلب الكيميائي للاكسجين لنفس المصنع بشبكة مياه الامطار بلغ خمسة آلاف مغ في اللتر مقارنة بألف والمواد العالقة 2430 مغ في اللتر، في حين لا تتجاوز الكمية القصوى المسموح بها 400 مغ في اللتر. 

وأدى ذلك الى تلوث شديد على مستوى محطة الضخّ للمنطقة السقوية بمجاز الباب عن طريق المياه الصناعية المستعملة للمصنع نفسه.

)نسخة من التحليل) 

وأثبتت تحاليل سكب مدبغة جلد بقبلاط في 21 افريل 2017 ان الطلب الكيميائي للاكسجين كان مضاعفا خمس مرات مقارنة بالكمية القصوى المسموح بها في شبكة التطهير، والمواد العالقة مضاعفة اربعة مرات، والطلب الكيميائي للاكسجين ثلاثة الاف مغ / لتر مقارنة بالف مغ / لتر في شبكة التطهير و90 مغ / لتر في الوسط الطبيعي.

  "  انخفضت التحاليل المجراة من اكثر من 07 الاف تحليل في 2010 الى 05 الاف تحليل فقط في 2018"

مع أهمية نتائج هذه التحاليل، إلا أنها محدودة ولا تشمل جل العناصر التي تثبت حقيقة التلوث وخطورة الملوثات، إذ أكد خبير المياه شكيب بن شقرة أن المصالح الصحية تقتصر في المراقبة الوبائية لوادي مجردة على جراثيم تسبب أمراضا منقولة عبر الماء، واساسا الحمّى التيفوديّة والكوليرا، مؤكدا أن كثرة التلوث ستؤدي في السنوات القادمة الى البحث فقط على مطابقة الماء للمواصفات البكتريولوجية، وان يكون فقط  مقبولا من ناحية خاصياته الفيزيائية والكيميائية. 

فلا توجد الى حد اليوم دراسة ميدانية متكاملة تثبت ارتباط أمراض بتلوث مجردة حسب الباحثة بمدرسة المهندسين بمجاز الباب فاطمة الطرابلسي، لتبيّن أن التلوث من جراء المصانع واستعمال المبيدات الفلاحية مجهولة المصدر ومجهولة التركيبة الكيميائية وتركيز الكروم و الزنك و الفسفور و المنغنيز له علاقة علمية ثابتة بالامراض السرطانية، كما يؤدي تلوث الماء الى تعرية الأسنان، و وجود النيترات به يسبب مرض زرقة الأطراف و عسر الولادة.   

وادى باجة ,شافرو ,البسيم الروافد المسمومة لمجردة

لم يكن التلوث البيئي لمياه مجردة بالسكب المباشر في حوضه فقط وعلى طول مجراه، بل أيضا عبر روافده التي تحولت من مجاري طبيعية لنقل مياه الأمطار والعيون، إلى مستنقعات لنقل عوادم المصانع ومحطات التطهير والادوية الفلاحية، لتفقد هي ذاتها خصوصياتها الطبيعية، حتى بات عدد منها مثل شافرو بمنوبة ووادي باجة ووادي سليانة أهم مصادر التلوث في مجردة، حسب تقييم ممثلة ادارة متابعة الأوساط البيئية بالوكالة الوطنية لحماية المحيط، السيدة منى الصفاقسي. 

          شافرو، الرافد الأيمن لمجردة، النابع من منطقة عين عسكر في زغوان، والذي يلتقي به في الجديدة على بعد حوالي كيلومتر من الطريق الوطنية عدد 7، صنفته دراسة وزارة البيئة كالنقطة الأعلى تركيزا والأشد تلوثا بعناصر الزئبق والكروم. 

بؤرة توقف عندها جميع وزراء البيئة منذ سنوات، و عجز المسؤولون عن أخذ القرار، لتتعمق الأزمة البيئية و تستفحل و يتحول الوادي الى مسيل كيميائي. 

وقد أسفرت نتائج التحاليل و عمليات مراقبة الوكالة الوطنية لحماية المحيط في 2017 عن وجود أكثر من ثلاثين مصدرا لتلوث وادي شافرو، صنفت حسب خمس فئات وهي مؤسسات صناعية، ومياه رشح الفضلات والأوساخ الصلبة المتواجدة على ضفاف الوادي، ومياه صناعية و مستعملة متأتية من أنشطة التصرف في نقل النفايات السائلة، ومياه معالجة من محطة التطهير بالمرناقية ، ومياه مستعملة لتجمعات سكنية ريفية و سجن برج العامري. 

معطيات دعمّتها دراسة حول مصادر تلك المياه بوادي شافرو وانعكاساته على الصحة والمحيط، أعدها فريق عمل بالديوان الوطني للتطهير خلال الفترة الممتدة من 17 الى 25 ديسمبر 2015 وتم تجديدها في 2016         

أجمعت كل المتابعات على تصدر نشاط المدابغ )عددها ستة) قائمة مصادر التلوث بشافرو، ووصفت مياه تلك المدابغ بشديدة التلوث، نظرا لافتقارها لوحدات معالجة، و لطبيعة النشاط المتمثل في صباغة ودباغة الجلود واستعمالها مواد "الكلور" و "السولفات" و بعض الأحماض والمعادن الثقيلة السامة، التي تصيب الإنسان بالأمراض وتلوث التربة والمياه الجوفية ،حسب ما توصلت إليه دراسة وزارة البيئة المعتمدة. 

احد اكثر المدابغ تلويثا حسب نتائج العينات المخبرية التي حصلنا على نسخ منها، وتقع بوسط المنطقة العمرانية بمدينة المرناقية، سجلت نسبة 61,85 مغ في اللتر من ثلاثي الكروم، في حين لا يجب ان  يتجاوز الحد الاقصى حسب المواصفات 0,5 ملغ في اللتر، كما بلغت كمية سداسي الكروم بمدبغة اخرى لنفس المنطقة الصناعية 0,19 مغ في اللتر، فيما لا يتجاوز الحد الأقصى حسب المواصفات 0,05 مغ في اللتر.     

تعد هذه المادة من أخطر المواد على البيئة والإنسان، خاصة وأنها تفرز بعد معالجة الجلود بها مادة ”كروم 6”، كناتج عرضي مسبب للسرطان لدى الإنسان، حسب تقرير المفوضية الأوروبية لشؤون البيئة لسنة 2014. 

    وبلغت نســبة الطلـب الكيميائي للأكسـيجين فـي العينـة حسب آخر عينات اخذتها الوكالة الوطنية لحماية المحيط في جوان 2020  للمدبغة الأكثر تلويثا للمحيط المذكورة أعلاه، 22800 مغ في اللتر، في حين لا يتجاوز الحد الاقصى المسموح به في الملك العمومي للمياه 160 مغ في اللتر.

كما بلغت نسبة الطلــب الكيميائــي للأكسـيجين فـي العينـة 14,200 مغ في اللتر، فيما لا تتجاوز النسبة في المواصفات ال30 مغ في اللتر.

و تضمنت العينة أيضا نسبة عالية من المواد العالقة بلغت 624 مغ في اللتر فيما لا تتجاوز النسبة في المواصفات ال35 مغ في اللتر..

وضع بيئي تواصل منذ التسعينات، ليكتفي رئيس مجمع الصيانة والتصرف بالنواة الصناعية القديمة بالفجة، وصاحب مدبغة كريم الورتاني بتأكيد أن  "الوضع البيئي رهين حل مشاكل المدابغ، وهي ليست في الجانب البيئي فقط".     

ويمضي مستعرضا المواد المعتمدة في صناعة الجلد ذات التأثير البيئي الخطير، مؤكدا أن مدبغته هي الوحيدة ضمن 6 مدابغ بجهة المرناقية التي بادرت باستيراد مواد كيميائية بيولوجية ذات تأثير أقل على المحيط الطبيعي، كما أنشئت فيها محطة معالجة مياه صناعية أولية بقيمة 555 ألف دينار، وهي محطة توقف اشتغالها قبل أن تبدأ في جويلية 2017، وتم إيقاف عملية التصدير لإشكاليات مع وزارة الصناعة حسب قوله.

واضاف انه في اطار مبادرة جهوية أظهر أصحاب المدابغ نيتهم تسوية الوضعية البيئية، وقد تم الشروع بعد تركيز مجمع الصيانة في اتفاق جهوي لتشغيل المحطة و وضع حد للتلوث البيئي الناجم عن استعمال مواد الكروم، لكن المبادرة توقفت وبقي الوضع البيئي كارثيا. 

ليعلق قائلا “الجميع يتحمل المسؤولية، حتى الدولة نفسها، لانها لم تلتزم بتعهدها بتركيز محطة تطهير صناعية بالقطب الصناعي بالفجة وبالنواة الصناعية القديمة، التي تمت برمجتها وصرف اعتماداتها من الاتحاد الأوروبي، لكن ارتأت شركة القطب تحويلها الى المنستير“...

  في المقابل نفى مدير الاستغلال في القطب الصناعي بالفجة محمد علي قناوة رصد اعتمادات من الاتحاد الأوروبي لانجاز محطة، مؤكدا أنه ببرمجة 50 هكتار مخصصة لانشطة تكملة النسيج و محطة تطهير لمعالجة المياه المستعملة للمنطقة الصناعية والسكنية بالفجة، اشترطت مصالح الفلاحة ضرورة سكب المياه المعالجة من المحطة في البحر، واثر القيام بالدراسات اللازمة توصلت إلى تضاعف كلفة المحطة من حوالي 30 مليون دينار إلى أكثر من 70 مليون دينار، وهو ما ادى الى تحويل نشاط تكملة النسيج نحو القطب الصناعي بالمنستير، باعتبار وجود محطة سلفا وربط منطقة الفجة مؤقتا بمحطة المرناقية الى حين توفير الاعتمادات اللازمة لتركيز محطة خاصة بالفجة و القطب الصناعي.

في خضم الأخذ والرد والتجاذبات بين مختلف الأطراف، خلصت الوكالة التي حررت من 2010 الى 2019 عدد 114 مخالفة لأصحاب المدابغ، 45 منها في 2017 فقط، الى ضرورة ايقاف استغلال المدابغ، وطالبت بايقاف نشاطها، بما انها لا تقوم بأي معالجة للمياه الصناعية، حيث يتم سكبها في القنال المخصص لمياه الأمطار و المؤدي إلى وادي شافرو الذي يصب بدوره في وادي مجردة. 

واستندت في طلبها الى انتصاب خمسة مدابغ دون الحصول على التراخيص القانونية و دون تقديم دراسة مؤثرات على المحيط ولا على موافقة لجنة الملك العمومي للمياه، وقد تم اتخاذ الإجراءات القانونية في شأنها عديد المرات كان آخرها في شهر جوان2020 

في غياب قرار صارم وجدي من المصالح الجهوية و المركزية ينهي الكارثة البيئية والصحية، بادرت بلدية البساتين المحدثة في 2016 بإصدار قرارات غلق ظلت حبرا على ورق، واعتبر نائب رئيس البلدية محمد علي العوني ان الاجراء يتطلب التنفيذ بالقوة العامة، وهو ما لم يتم رغم حجم الكارثة حسب تعبيره. 

  قدرت الوكالة الوطنية لحماية المحيط كمية المياه الصناعية الملقاة بوادي شافرو بـ 200 م2 في اليوم، و يقدر حجم التلوث ب 1400 كلغ يوميا بالنسبة للطلب الكيميائي للأكسيجين، و110 كلغ يوميا بالنسبة للمواد العالقة وأكثر من 2.5 كلغ يوميا من الزئبق ثم 1,8 كلغ من الكروم يوميا. 

    معطيات أيّدتها دراسة الديوان الوطني للتطهير، والتي اكدت أن مياه تلك الوحدات الصناعية التي تسكب مباشرة في وادي شافرو "شديدة التلوث" ولم تتم معالجتها، حيث بينت التحاليل وجود مواد "الكلور" و" السولفات " وملونات ونحاس وفوسفور والآزوت وزيوت وشحوم وغيرها من الملوثات العضوية وغير العضوية، وبعض الأحماض الأخرى بنسبة تركيز عالية. 

هذه النتائج، فضلا عن بقية الملوثات ومنها النفايات الصناعية، جعلت من مياه شافرو شديدة التلوث وغير مطابقة لمواصفات السكب بالوسط الطبيعي في عنصري الطلب الكيمياوي والبيولوجي، واحتوائها ملوثات عضوية وغير عضوية بتركيز عال و أنواع متعددة، اضافة الى مياه مستعملة لعدد من التجمعات السكنية غير مجهزة بشبكات تصريف المياه المستعملة بحميم والفجة و المرناقية ثم الحبيبية بالجديدة و سجن برج العامري. 

مياه سوداء برائحة المجاري والجلود والأوساخ تسيل في مجرى الوادي من نقطة المركب الصناعي بالفجة "تكنوبارك" المحاذي لمجمع سكن اجتماعي هو الأكبر من نوعه بالجهة، لتختلط بها تدفقات مياه سجن برج العامري عبر قناة تعبر عمق الطريق المحلية الفجة منزل الحبيب، ثم مياه محطة التطهير بالمرناقية والمياه الملوثة القادمة بمجرى وادي القصب من برج العامري، والتي تتحول الى مياه لري الخضر من قنارية وطماطم وغيرها على مستوى بوحنش والحبيبية والمناطق الفلاحية الممتدة على طول الوادي. 

هناك ، رصدت معدتا التحقيق محركات للمياه على حافة الوادي تستجلب المياه الاسنة الى المزروعات، رغم منع استعمالها بمقتضى الفصلين 58 و59 من مجلة المياه الصادرة بالقانون عدد 16 لسنة 1975 المؤرخ في 31 مارس 1975 والمتعلق بأنظمة المياه غير التقليدية، والفصل 137 المتعلق بعقوبات استغلال المياه المستعملة مباشرة أو لأغراض فلاحية.

مياه تسللت الى بطون البشر ليس فقط عبر الخضر والمزروعات، خاصة من مادة القنارية ذات الانتاج الواسع بالجديدة والطماطم وباقي انواع الخضر الفصلية، بل كذلك عبر المواشي والأبقار التي وجد أصحابها من " (الهطّايا "  (رعاة الأغنام الرحّل في مسار الوادي المحاذي لضيعات الحبوب مرعى خصبا، يلجؤون إليه لاطفاء ظمأ دوابهم التي ارتفعت فيها نسبة الإجهاض نتيجة شرب الماء الملوث حسب تأكيد اتحاد الفلاحين بمنوبة.   

وفي وادي باجة رافد الضفة اليسرى لمجردة، عاينت معدتا التحقيق في جويلية 2020 على جسر المخشبية مشاهد صادمة لعوالق تخنق المياه الراغبة في العبور، و سلاحف وزواحف وبقايا حيوانات نافقة اعتبرها المختص في المياه شكيب شقرة "الدليل الاوضح على شدة التلوث ولكن ليس الى درجة انعدام الحياة".   

      يتموقع الوادي بمعتمديات باجة الشمالية والجنوبية وعمدون بدءا بالمدخل الشمالي ومرورا بمفترق ماطر، اين يصب به وادى البسيم المجاور للمياه الصناعية خاصة لمصانع السكر والخميرة، ويتواصل الى منطقة حجر عمر أين تقع محطة التطهير مرورا بالمعقولة وطريق المخشبية، وصولا الى بحيرة سيدي سالم ثم مجردة ..

مسار كامل رصدت فيه عملية مراقبة للملك العمومي للمياه في 20 فيفري 2020 "حالة كارثية " وخاصة على مستوى حجر عمر حيث تنبعث "روائح كريهة وتكتسب المياه على مستوى المعقولة والمخشبية وجسر على وادي باجة لونا اسودا وأوساخا. 

مياه نبّه تقرير لمندوبية الفلاحة أن ركودها المتواصل وقربها من الأحياء السكنية يجعل منها تهديدا لصحة وسلامة المواطنين، خاصة مع انسكابها المباشر في سد سيدي سالم المستغل للتزود بالماء الصالح للشراب والري الفلاحي وشرب الحيوانات، وإمكانية استعمالها للري في مناطق المعقولة والمخشبية حيث يقبل الفلاحون على الحصول على تراخيص لاستغلالها، في ظل النقص الحاد للأمطار. 

كما خلصت دراسة قام بها مكتب للدراسات في نوفمبر 2017 حول ازالة التلوث بوادى البسيم الى ان "تشخيص وضع التلوث الصناعي والحضري بالوادي خطير، نتيجة المياه الصناعية المحملة بمادة الميلاس شديدة التلويث والمياه المنزلية المستعملة والافرازات الصناعية والنفايات الناجمة عن المسلخ غير المجهز بمحطة معالجة اولية " ودعت الى "ضبط تدخلات عاجلة".   

  على اثر ذلك تم عقد ميثاق واد البسيم واقتراح خطة عمل قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، لازالة مياه الصرف الصحي والصناعي والفضلات الصلبة والتقليص من الاستعمال المفرط للمبيدات وتطهير المنطقة الصناعية، وتركيز محطة معالجة فيزيائية وكيميائية وبيولوجية لمصنعي السكر والخميرة ،وتهيئة فضاءات مذبح باجة والتحكم في مصبات المرجين وفضلات المعاصر. 

      قدرت المصالح الجهوية الاعتمادات اللازمة لتنفيذ جميع عناصر الخطة بحوالي خمسة مليون دينار، لإنقاذ المائدة المائية العميقة لوادى البسيم، المهددة من السكب الصناعي، بما أنها تعد من أهم الموائد وهي مستعملة من الشركة الوطنية لتوزيع مياه الشرب لجودتها، حيث تتراوح نسبة النترات فيها بين صفر فاصل 29 و32 وهو أقل من النسبة المسموح بها ( 45 حسب المواصفة التونسية ان ت 04 ,09 لسنة 2013   

هذا الميثاق ظل حبرا على ورق، وبقي الوضع البيئي كارثيا حسب ما عاينته معدتا التحقيق، حيث تم رصد مشاهد السكب الصناعي وملوثات المسلخ بوادى البسيم وانبعاث الروائح الكريهة خاصة من معمل الخميرة والتي كانت محل تذمر متساكني  المنطقة في أوت 2020 

لم يختلف الوضع في الجانب الآخر من مجردة، حيث عمت الروائح الكريهة والغازات السامة المنبعثة من أحواض تجميع المياه الملوثة لمعمل الخميرة بجندوبة الشمالية، مما دفع سكان قرية بن بشير من معتمدية جندوبة الشمالية القريبة من مجردة إلى تنفيذ وقفة احتجاجية في 17 أكتوبر 2019، مؤكدين أن تلك الأحواض ألحقت أضرارا بمواشيهم، حيث تسببت في نفوق أبقار خلال السنوات الماضية خاصة بعد تكرر تسرب المياه إلى الحقول المجاورة و وصولها للوادي. 

على طول مسار مجردة، أثبتت التحاليل المجراة على مستوى 32 محطة للقياسات الهيدرولوجية والمراقبة بالوادي والروافد والسدود المتقاطعة معه والمغذية لمنسوبه، والواردة في دراسة بعنوان "وضع برنامج مندمج لازالة التلوث بمنطقة الحوض الساكب لوادي مجردة في "2018، ارتفاع مؤشرات الاكسجين الحيوي الممتص والمواد العالقة في 23 محطة منها.

  وكانت أعلى نسبة مواد عالقة 27) الف مغ في اللتر( بمحطة القيس بسد سليانة، وتراوحت نسبة تركيز المواد العالقة في العينة لبقية المحطات بين 50 مغ في اللتر و1300 مغ في اللتر. ولم  تستجب المياه ب 13 محطة قياس ومراقبة لمواصفات الطلب البيوكيميائي للاكسجين حسب مواصفات م ت 106-002 وم ت106-003) والتي حينت طبقا لقرار وزير الصناعة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة ووزير الشؤون المحلية والبيئة في 30 مارس 2020 لضبط الحدود القصوى لسكب الأدفقة في الوسط المتلقّي. 

  كما لا تطابق كمية الآزوت بالمياه ب 15 محطة من العينة للمواصفات، اضافة الى ارتفاع عنصر الكروم بوادي شافرو وسد سليانة (3 مغ في اللتر) مقارنة بالكمية القصوى المسموح بها 0,5 مغ في اللتر ووجود عنصر الزئبق بمحطتي القياس بشافرو 18 مغ في اللتر مقارنة 0,005 مغ في اللتر مسموح به

مياه محطات التطهير غير مطابقة للمواصفات 

خارطة   

تسكب 19 محطة تطهير 31500 مترا مكعبا من المياه المستعملة يوميا في وادي مجردة وروافده، رغم أن دورها هو معالجة المياه المستعملة عبر تصفيتها من الأوحال و الرواسب والتلوث العضوي.   

وتلفظ 12 محطة تطهير مياهها المعالجة مباشرة في الوادي، منها 06 في الحوض العلوي و 06 في الحوض السفلي، فيما تصب 07 محطات اخرى بروافد مجردة وهي وادي ملاق (النابع من الشرق الجزائري) ثم وادي سليانة (يسيل عبر ولايتي سليانة و باجة و يصب في وادي مجردة غرب مدينة تستور) و وادي خلاد الرافدين و تاسة (يسيل عبر ولايات الكاف وسليانة و باجة، يصب في وادي مجردة جنوب غربي مدينة بوسالم). 

نسبة مطابقة المياه الصادرة عن محطات التطهير للمواصفات في العشر سنوات الاخيرة لم تتجاوز ال70 بالمائة

وتتوزع هذه المحطات على ولايات باجة ((5 محطات وهي باجة و تبرسق ومجاز الباب ونفزة ووادي الزرقاء، جندوبة ((4 محطات وهي جندوبة وبوسالم و فرنانة وغار الدماء، سليانة(3) محطات وهي سليانة و قعفور و بوعرادة) والكاف (الجريصة السرس الكاف منوبة ) 3)محطات وهي المرناقية وطبربة و الجديدة) و اريانة التي تضم محطة وحيدة بقلعة الأندلس فضلا عن محطات التطهير الجزائرية ومنها محطتي سوق اهراس وسدراتة..       

رسم

تشترك هذه المحطات جميعها في أن نسبة مطابقة المياه الصادرة عنها للمواصفات في العشر سنوات الاخيرة لم تتجاوز ال70 بالمائة، رغم اعتماد تقنية المعالجة الثلاثية في محطة المرناقية حسب تقرير الديوان الوطني للتطهير، الذي يقوم اضافة الى وزارة الصحة والوكالة الوطنية لحماية المحيط بالرقابة على المياه المعالجة قصد التثّبت من ملاءمتها للمواصفات والتحكّم في التلوث المائي.

رسم بياني

ويضع الديوان آليات لحماية منشآت الديوان من الاضرار بها حسب القانون عدد 41 لسنة 1993 الذي تضمن أحكاما جزائية تطبق على المخالفين الذين يضرون بمنشآت الديوان، ويضع أعوانا محلفين لتنفيذ هذه المهام.         

لا تتطلب عملية تقييم المواصفات تحاليل ولا اختبارات، وتظهر للعين المجردة مظاهر رداءة نوعية المياه الخارجة عن إطارها العلمي المتعارف عليه ( لا لون ولا رائحة ) في أغلب محطات التطهير المذكورة، فقد تلونت مياههما المسكوبة في الوسط الطبيعي وبدت بألوان داكنة، تنبعث منها روائح كريهة تؤرق جيرانها بالأحياء السكنية المجاورة، فتزكم أنوفهم وتخنق أنفاسهم.

    استنادا إلى دراسة وزارة البيئة حول "وضع برنامج مندمج لازالة التلوث بمنطقة الحوض الساكب لوادي مجردة"، والتي استند فيها مكتب للدراسات الى عشرات التحاليل البكتريولوجية و الفيزيوكيميائية بمخبر خاص و المخبر المركزي لإدارة التربة والإدارة العامة للتهيئة والمحافظة على الأراضي الفلاحية، تتموقع 14 محطة تطهير ونقاط تسريب مياه تطهير على مستوى 12 مائدة مياه جوفية بسليانة وبوعرادة وسهل الكاف والقلعة الخصبة وسهل السرس والمنطقة الوسطى لمجردة ووادي شافرو  وبلاد غنيمة وتبرسق، وهو ما يشكل خطورة ليس فقط على المياه السطحية بل الجوفية أيضا.                         

وجاء في نتائج عينات من مياه مختلف محطات التطهير بنفس الدراسة بأن ستة محطات لا تستجيب مياهها لمواصفات الطلب الكيميائي للاكسجين، وهي باجة الشمالية ومجاز الباب وتستور وتبرسق، إذ قاربت نســبة الطلـب الكيميائي للأكسـيجين فـي العينـة (وهي كمية الاكسجين الذي نستطيع ادماجه في الماء للحفاظ على تركز الأكسيجين في المستوى الملائم بمحطة تستور( 371.3 مـغ فـي اللتـر. (

كما لم تستجب أربعة محطات تطهير بباجة الشمالية وسليانة وفرنانة وتستور لمواصفات الطلب البيوكيميائي للاكسجين، وولم تستجب سوى ثمانية محطات من جملة 11 للمواصفـات التونسـية بالنسبة للخصائص البيولوجية )البكتيريا القالونية و المكورات العقدية( 

ولم تكن 7 محطات تطهير بطبربة وباجة الشمالية وتستور وتبرسق وفرنانة وسليانة والكاف في مستوى مواصفات ارتفاع مؤشرات الاكسجين الحيوي الممتص والمواد العالقة، والتي تعتبر اهم علامات درجة التلوث.

  وقد سجلت محطة التطهير بطبربة، التي تؤمن يوميا معالجة 2200 مترا مكعّبا من المياه المستعملة تسكب مباشرة في وادي مجردة، أعلى نسبة مواد عالقة، بتضاعف الحد الأقصى من تلك الملوثات بالشبكة العمومية للتطهير مرتين ونصف، وذلك ب 1076 مغ في اللتر، في حين لم يتجاوز الحد الأقصى ال400 مغ في اللتر. 

    وتتعارض هذه النتائج مع التأكيد المتواصل لمصالح فرع ديوان التطهير بمنوبة على انها محطة مطابقة للمواصفات. محطة طبربة على سبيل المثال و منذ تركيزها سنة 2004 ومد قنوات ربطها بمسار وادي مجردة عبر أراض فلاحية، فرضت تغييرا فى المنظومة الفلاحية بالمنطقة بمنع الفلاحين من زراعة الخضروات والقرعيات و الخضر الورقية، وبات نشاطهم يقتصر على الاشجار المثمرة والاعلاف، وسجل ارتكاب بعضهم لتجاوزات بتركيز محركات مائية تجلب مياه مجردة المختلطة بمياه محطة التطهير الى مساحات الخضروات، التي تنتهي في بطون المستهلكين دون رقيب ولا حسيب.

كما كانت محل تقاضي من عائلة غزيل بطبربة التي رفعت شكايتين ضد ديوان التطهير طيلة تسع سنوات، جوبهتا بالرفض لعدم الاختصاص. كانت الأولى في المحكمة الابتدائية بتونس في 2011 والثانية في المحكمة الابتدائية بمنوبة في 2015 حسب تأكيد صاحبة الدعوى فاطمة غزيل، متسائلة أين الوجهة ومن صاحب الاختصاص في مثل هذه القضايا البيئية، وهل آن الأوان لبعث محكمة بيئية ؟     

و حفرت سيول مياه محطة التطهير وسط ارضها المتضررة منذ كسر قناة السكب في 2010، وغاصت في أديم الأرض لتتحول الحفرة الصغيرة الى منحدر ساحق تسكب فيه مياه التطهير ذات اللون الغامق التي تعلوها طبقة من الفقاعات أو ما يشبه الرغوة الكثيفة.

  واكد خبير عدلي في البناء والهندسة المدنية لدى المحاكم التونسية في تقرير أنجزه في الغرض الأضرار الذي تسببت فيها هذه المحطة، قائلا أن "سيلان وقذف المياه المستعملة المباشر او غير المباشر بقنوات التطهير يترتب عنه فساد المياه سواء مياه وادي مجردة او المياه الباطنية والجوفية، وذلك بتغيير خاصياتها الطبيعية والكيميائية والبيولوجية او الجرثومية عن طريق السيلان.

منتوجات المياه الملوّثة في بطون الناس 

على بعد أمتار من هذا المشهد، رصد التحقيق الميداني مساحات من البطيخ التي تروى من مياه مجردة المختلطة بمياه التطهير، فضلا عن آثار زراعات اخرى تم جنيها وحرثها رغم منع زراعتها منعا باتا على اعتبارها منطقة تحجير بمقتضى الفصلين 58 و59 من الباب الثالث من مجلة المياه الصادرة بالقانون عدد 16 لسنة 1975 المؤرخ في 31 مارس 1975 والمتعلق بأنظمة المياه غير التقليدية والفصل 137 المتعلق بعقوبات استغلال المياه المستعملة مباشرة أو لأغراض فلاحية.   

ممنوعات وتحجير ابدى الأغلبية اقتناعهم أن حقهم في مجردة و نشاطهم الفلاحي أقدم من من محطة التطهير وأحق من القوانين و الشروط المسقطة عليهم، في تجاوز صارخ للقوانين وتعارض مع مواقف الفلاحين عموما بمنوبة وبمختلف الولايات على ضفاف مجردة، ومن الاتحادات الجهوية للفلاحين الرافضة لاستعمال المياه المعالجة في المجالات الفلاحية. 

رفض كانت وزارة الفلاحة قد تبنته بإقرار أن هذه المياه غير مطابقة للمواصفات ولا يمكن اعادة استعمالها في الريّ، وذلك بعد القيام بدراسات في الغرض ورصد إشكاليات في نوعية المياه في السنوات الأخيرة، حسب تأكيد كاتبة دولة للموارد المائية سابقا ووزيرة الفلاحة والصيد البحري والموارد المائية حاليا عاقصة البحري. فقد أشارت لدى لقائها بتاريخ 10 اوت 2020 الى تقلص نسبة المياه المستعملة المعالجة المعاد استعمالها في تونس الى 30 بالمائة، و المساحات المروية بالمياه المعالجة من 08 الاف هكتار الى حوالي 2000 هكتار فقط. 

محطة التطهير فرنانة كانت بدورها ضمن قائمة المحطات الأكثر نسبة مواد عالقة، وقد حذر الاتحاد المحلي للفلاحين بفرنانة في أكثر من مناسبة من خطورة تسرب المياه المستعملة المتأتية منها في اتجاه سد بوهرتمة عبر وادي غزالة و من تداعياته على تلوث الخضروات و صحة المواطنين والدواب. 

وأوضح رئيس الاتحاد المحلي للفلاحين بالمنطقة رابح جوّادي في الغرض أن "الوضعية متواصلة منذ سنوات، فلا تستجيب المياه المعالجة للمواصفات الدنيا، وحيثما وليّت نظرك تجد المياه داكنة والفضلات البشرية تسكب في وادي غزالة ثم سد بوهرتمة مباشرة وهو المصدر الأساسي لمياه الشرب لعديد المناطق".

"لم تتجاوز نسبة مطابقة مياه التطهير للمواصفات طيلة 10 سنوات ال70 بالمائة"    

  واوضح انه "رغم زيارة وزير البيئة في 2016 ومعاينته الوضعية واعلانه رصد 600 الف دينار لصيانة المحطة، فلا جديد يذكر، بل تضرر البشر و نفق عدد من الأبقار والماشية منذ 2016 وتواصلت الكارثة البيئية والصحية، على حد تعبيره 

من جانبها أكدت دراسة بعنوان “استراتيجية المياه في أفق 2030 مقاربات وتوجهات اساسية” التي أعدها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية في 2014، أن أكثر من 33 بالمائة من محطات التطهير تعمل فوق طاقتها، وغير قادرة على تلبية مستويات وقدرات المعالجة المطلوبة. 

وهو ما أكدته أيضا دراسة وزارة البيئة، بعدم استجابة 11 محطة تطهير لمواصفات الحد الاقصى من كمية الفوسفور الكلي، وهي محطات باجة الشمالية ومجاز الباب وتستور وتبرسق وسليانة وقعفور والكاف وجندوبة وبوسالم وفرنانة وغار الدماء. 

      وتميّزت محطتا التطهير بتستور وبوسالم بزيادة مستويات القولونيات الكلية وكانت اعلاها بمحطة بوسالم بتسجيلها 230 الف مستعمرة في ال100 مل، وهي نفس المحطة التي سجلت اعلى نسبة مكورات عقدية  09 الاف مستعمرة في ال100 مل، مما يؤكد تلوث العينات الخارجة من المحطة جرثوميا والناجم عن الصرف الصحي بها، والتي تسكب مباشرة في سد بوهرتمة الذي يلتقي بمجردة على مستوى بوسالم.     

نفس الدراسة البيئية اكدت ان طاقة معالجة التلوث ب13 محطة ضعيفة باقل من 3 آلاف متر مكعب في اليوم، تراوحت نسبة الربط ب18 محطة منها بين 95 بالمائة و100 بالمائة، وبلغ عدد المواطنين المربوطين بالشبكة العمومية للتطهير على مستوى محيط وادي مجردة 356,586 الف مواطن من جملة اكثر من 5.5 مليون مواطن مربوطين بالشبكة على المستوى الوطني.   

  واشار التقرير السنوي لدائرة المحاسبات في 2014 الى عدم شموليّة التحاليل التي يقوم بها الديوان لجميع العناصر المبيّنة في المواصفة، بسبب تقادم محطات التطهير وشدّة تلوث المياه الصناعية الوافدة عليها، وان نسبة المواصفات المعتمدة غير دقيقة، إذ يقتصر الديوان على احتساب معدلات سنوية لنتائج تحاليل تخص ثلاث عناصر فيزيوكيميائية فقط من جملة 55 عنصرا معتمدا للمواصفات، مما جعلها لا تعكس حجم تلوث المياه ولا تمكّن من التاكد من تأثيراتها السلبية على البيئة وصحة الإنسان والحيوان.       

وحملت دائرة المحاسبات وزارة الصحة والوكالة الوطنية لحماية المحيط مسؤولية ضعف نسق و مجال الرقابة التي تقوم بها في محطات التطهير والمياه التي تفرزها، إذ تقتصر تحاليل مصالح وزارة الصحة على البحث الجرثومي "الكوليرا والسالمونيلا " دون القيام بتحليل بعض المواد الصلبة الخطيرة على الصحة (رابط التقرير).

كما اشارت الى عدم مراقبة الوكالة منذ إحداثها الى حدود ماي 2014 محطّات التطهير والمياه التي تلقي بها في المحيط إلاّ في سنة 2011، واقتصرت عمليات الرقابة على 37 % من جملة المحطات ولم تشمل التحاليل في المعدل سوى 11% من عدد العناصر المبينة في المواصفة.

معطيات ديوان التطهير أكدت إنجاز تحاليل العناصر الفيزيوكيميائية : الزرنيخ والكاديميوم والكلور والكوبالت والنحاس والحديد والمنغنيز والزئبق والنيكل والكلور العضوي والسيلينيوم والرصاص والزنك والفلوريدات وغيرها... وذلك بمخابر محطات التطهير والمخابر الجهوية للديوان (وفقا لـ "دليل الإجراءات الفنية لاستغلال محطات التصفية" وذلك بمعدل 04 مرات في الشهر، ومن مرتين في الشهر الى 06 مرات في الشهر حسب حجم المحطة و نظام المعالجة المعتمد. 

هذا اضافة الى قيام المخابر الخاصة بإنجاز تحاليل مرة كل شهر بالنسبة للعناصر الفيزيوكيميائية، مرة كل ثلاثة أشهر لعناصر الأزوت والفسفور، مرة كل ستة أشهر لعناصر المعادن الثقيلة ومرة كل ستة أشهر للعناصر البكتريولوجية، إذ بلغ عدد التحاليل الجملية المنجزة بالنسبة لسنة 2019، 26300 تحليل موزع بين 22481 تحليل بالنسبة لمحطات التطهير والوسط المتلقي و3819 تحليل بالنسبة للسكب الصناعي.

وتأتي هذه المعطيات فيما يجمع عدد من الناشطين بالمجتمع المدني، فضلا عن بعض أعوان محطات التطهير الذين خيروا الاحتفاظ بهوياتهم، على أن الخلل الأكبر في المنظومة هو إسناد المحطات بموجب عقود لزمة لخواص تنعدم لدى بعضهم الجدية في استغلالها، ولا تتطابق طريقة تصرفهم فيها مع الشروط والمقاييس المعمول بها، فضلا عن ضعف الرقابة عليهم الذي يفرز عديد النقائص والاخلالات. 

واقع أكده التقرير الثامن والعشرون لدائرة المحاسبات للسنة القضائية  2012/2013 حول "الاخلالات والتجاوزات وسوء التصرف في الأموال العمومية لعدد من المؤسسات العمومية"، الذي أقر أن "خدمات الديوان الوطني للتطهير دون المستوى المطلوب من خلال عجز في نسبة جهر شبكة المياه المستعملة وتقصير في متابعة بعض مستغلي منشآت التطهير الخواص المخلّين بتعهداتهم والذين لا يقومون بصيانة التجهيزات الموضوعة على ذمتهم على النحو المطلوب". 

فقد حررت مصالح الوكالة الوطنية لحماية المحيط ما بين 2018 و2019 عدد 11 محضرا في حق محطات تطهير في منوبة وباجة والكاف واريانة لعدم مطابقة المياه المعالجة  للمواصفات. في المقابل أقرت مصالح التطهير بعدم تسجيل إخلالات بالمحطات المستغلة من طرف الخواص في إطار تعهد المنشآت وصيانة التجهيزات وعددها 12 محطة بولايات تونس الكبرى وجندوبة والكاف وباجة، ولم يتم فسخ أي عقد في الغرض وهو الحل القانوني الأقصى الذي يتم الالتجاء إليه عند تسجيل اخلالات .           

مياه الصرف الصحي وآبار الضياع       

هذا وتشكل مياه الصرف الصحي بالمناطق السكنية غير المربوطة بالشبكة العمومية للتطهير وآبار الضياع(ابار لسكب المياه المستعملة ) احد اهم اسباب التلوث على طول مجردة، بداية من منبعه بسوق اهراس، فما تزال تتسرب إلى مجراه مباشرة أو عبر مختلف روافده، بما تحمله من مواد ملوثة.   

تناولت جامعة سوق اهراس الجزائرية في "دراسة سمية بيئية لمياه الصرف الصحي من مدينة سوق أهراس والمعالجة النباتية" الخصائص الفيزيائية، الكيميائية والميكروبيولوجية لتلوث مياه الصرف الناجم عن سكان المناطق العمرانية لولاية سوق أهراس الملقاة في واد مجردة وإعادة استعمالها في السقي.

وركزت على ثلاث مصبات اساسية وهي خميسة و الحنانشة و مدينة سوق أهراس، حيث تسكب مياه صرف غير متصلة بمحطة معالجة، ويقوم السكان بإلقاء المياه الملوثة مباشرة دون معالجة.     

كما تركزت على فعالية تطهير المياه الملوثة لمدينة سوق أهراس بتقييم مقاومة النباتات من خلال اﻟﻘﯿﺎﺳﺎت اﻟفيزيولوجية، اﻟﺒﯿﻮﺷﯿﻤﯿﺔ والنشاط الانزيمي وغير الانزيمي و الدراسة النسيجية.

وكشفت نتائج 2016 عن تلوث عضوي كبير، كما اظهرت الدراسة المیكروبیولوجیة لمياه السقي وجود جراثيم منها بكتيريا وطفيليات من بيوض الديدان وفطريات سامة، مما يشكل خطرا على صحة الفلاح والمستهلكين، وافضى التطبيق الإحصائي الى أن مياه واد مجردة تستقبل مياه عادمة تشكل خطورة على الإنسان والحيوان والبيئة.

الوضع في تونس لم يكن أحسن حالا مقارنة بالجزائر، لأن مياه الصرف الصحي  بالأحياء السكنية غير المربوطة بشبكة التطهير وابار الضياع البالغ عددها على مستوى محيط وادي مجردة 3329 بئرا والتي تهم أكثر من 16645 ساكنا، باتت أحد مصادر التلوث بمحيط الوادي وروافده. 

أحياء تغرق في مياهها المستعملة ويعاني سكانها منذ عشرات السنين من مشاهد سيول الأوحال في الأنهج والروائح الكريهة... على غرار قرية وادي الزرقاء  بتستور وقرية الفجة بمنوبة وبرج العامري وسيدي ثابت، التي لا يزال الارتباط بشبكة التطهير حلم اهاليها. 

وضع بيئي كارثي وتلوث عضوي بالمياه والأوحال أكدته دراسة وزارة البيئة "وضع برنامج مندمج لازالة التلوث بمنطقة الحوض الساكب لوادي مجردة"، بكشف عدم مطابقة المياه المستعملة بها لمواصفات الطلب الكيميائي و البيوكيميائي للاكسجين والمواد العالقة. 

تجاوزات متكررة وافلات من العقاب 

تعددت الشكايات والعرائض منذ سنوات، واستنزفت مصالح الفلاحة والصحة والتطهير والبيئة اعتمادات هامة للتحاليل المخبرية المكلفة، لكنها بقيت تدور في حلقة مفرغة، فرغم النداءات والشكايات التي تطورت الى احتجاجات وقطع طرقات، فقد تواصل الحال كما هو عليه لسنوات، و الادلة كثيرة حسب وثائق إدارية ومراسلات تحصلت عليها معدتا التحقيق ويعود بعضها إلى أكثر من خمسة سنوات.

فقد وجهت المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بباجة عددا من المراسلات بتاريخ 16 سبتمبر 2016 الى الوكالة الوطنية لحماية المحيط، للإشعار حول المياه المسكوبة من معمل للطماطم ومن مصنع للمصبرات الغذائية بتستور بوادى سليانة -أحد روافد مجردة- متغيرة اللون والرائحة، مطالبة بالتثبت من مدى استجابتها للمواصفات.

كما وجهت  مراسلة إلى إدارة للموارد المائية بوزارة الفلاحة بتاريخ 4 ديسمبر 2015، اكدت فيها ان معمل السكر ومعمل الخميرة والمياه الصادرة عن محطة التطهير بباجة والمياه المستعملة بتستور ومياه الصرف الصحي بالسلوقية و مجاز الباب و بمحطة التطهير بتبرسق و قرية دقة، هي مصادر للتلوث الشديد.

من جهتها راسلت الوكالة الوطنية لحماية المحيط بولاية منوبة في ماي 2019 حول ارتفاع نسبة الملوحة في مياه وادي مجردة، مما أثر سلبا على الأراضي السقوية بقلعة الأندلس نظرا لتعمد مؤسسة للموالح بشواط من معتمدية الجديدة ،ومصنع للمصبرات الغذائية ومجموعة المدابغ بالفجة، سكب مياه ملوثة، وبيّن تقرير الوكالة في الغرض أن الملوحة لا تقتصر على قلعة الأندلس، بل تمتد على طول الوادي وتصل الى 05 غرام في اللتر في بعض النقاط.   

و تصنّف مصادر التلوّث بالديوان الوطني للتطهير المؤسسات الصناعية إلى أربعة أقسام حسب حجم السكب وتركيز التلوث العضوي وطبيعة التلوث (مدى الاحتواء على مواد سامة) الى أنشطة غير ملوثة وأخرى ضعيفة التلوث فمتوسطة التلوث فشديدة التلوث.

حرر خبراء الوكالة  الوطنية لحماية المحيط 44 محضرا كامل سنة 2018  لمؤسسات صناعية بولايات منوبة وباجة وجندوبة وسليانة حسب  معطيات  ادارة متابعة الأوساط البيئية بالوكالة. واكد احد خبراء الوكالة ان  توجيه المحاضر الى القضاء يمكن أن يستغرق ثلاثة سنوات، وهو ما جعل نفس المخالفين والمتجاوزين يرتكبون نفس الأخطاء لسنوات، وأبرز نفس الخبير الذي طلب عدم ذكر اسمه، ان الصناعيين غالبا لا يقومون بالمعالجة الاولية حتى عند توفر محطات مجعولة للغرض، وذلك لارتفاع تكلفة محطات المعالجة التي تصل الى مليون دينار بالمؤسسات الكبرى، مؤكدا أن الآليات الموضوعة لحل هذا الاشكال مثل صندوق مقاومة التلوث لم تنجح سوى جزئيا.

"عدم تشغيل او احداث محطة معالجة اولية معادلة مربحة"

  و اسر بصوت خافت أن أغلب المخالفين يعرفون حجم العقوبات ومآلاتها ويتعمدون عدم  إنشاء او تشغيل محطات معالجة أولية لأنها "معادلة مربحة" بالنسبة لهم.

واقترح أن تتدخل الدولة وتبعث محطات معالجة جماعية بالمناطق الصناعية بمساهمة الصناعيين، مثل ماهو معمول به في إيطاليا على سبيل الذكر.   

        قضايا خاسرة 

              وفيما تخفق اغلب الهياكل المعنية بمراقبة مصادر المياه صلب وزارات الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري والشؤون المحلية والبيئة والصحة وغيرها من الهياكل الجهوية في حماية هذه المصادر من التلوث والتصدي لكل التجاوزات، تتحمل الوكالة الوطنية لحماية المحيط المسؤولية الأكبر في مراقبة كل مصادر التلوث والضرر بالمحيط بجميع أشكاله، حسب قانون عدد 91 لسنة 1988 المؤرخ في 2 أوت 1988 المتعلق بإحداث وكالة وطنية لحماية المحيط والتصدي لكل التجاوزات.

وتؤكد رئيسة مصلحة الأوساط البيئية منى الصفاقسي في الغرض شمولية دور الوكالة والمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقها، مقابل إمكانيات مادية وبشرية محدودة وجمود في التشريعات والقوانين وخاصة العقوبات، التي وقفت عائقا كبيرا أمام جدية و نجاعة تدخلات المراقبة. 

      فلم يتعدّ عدد الخبراء المراقبين المحلّفين للوكالة ال35 خبيرا بكامل ولايات الجمهورية التونسية، في حين تعد منطقة حوض مجردة وحدها ثلاثين ألف مؤسسة صناعية، حسب تصنيف الوكالة العقارية الصناعية، وتنشط أغلب هذه المؤسسات في قطاع الجلود والنسيج.

كما أن دور الوكالة اساسي فقط عند إسناد الرخص للمؤسسات، أي عند دراسة الجدوى البيئية وقياس التأثيرات السلبية على المحيط قبل إنجاز أية وحدة صناعية، لكن لا يحق لها سحب الرخص عند ارتكاب تلك المؤسسات جرائم بيئية خطيرة.

وفيما يسجل قصور الوكالة الوطنية لحماية المحيط في تنفيذ أهم هدف بعثت من أجله، وتستنزف طاقات وموارد الدولة  في زيارات المراقبة للوحدات الصناعية و محطات التطهير ومختلف مصادر التلوث، فإنها تظل تدور في حلقة مفرغة، في غياب الحلول الناجعة والجذرية. 

إذ تتكرر المخالفات في نفس المؤسسات و تتواصل تجاوزاتها، ومنها مؤسسات منتفعة بتمويلات صندوق ازالة التلوث، وسط لامبالاة أصحاب تلك المؤسسات بقيمة الخطايا التي تتراوح في المنظومة البيئية بين 50 و100 الف دينار حسب قانون الوكالة، وقد تصل وفقا للقانون عدد 41 لسنة 1996 الى 500 الف دينار في المحاضر المتعلقة بالمواد الخطرة والكيميائية. 

يحرّر المراقبون الخطايا والمحاضر موصين بتسليط اقصى الخطايا التي تحال الى القضاء، حيث تتراكم الملفات وتصل آجال التقاضي إلى أكثر من اربعة سنوات، كما تتطلب عملية احالة الملف صلب الوكالة في ظل محدودية إمكانيات قسم النزاعات البشرية أشهر وسنوات.

  من ذلك أن محاضر تم تحريرها في نوفمبر 2019 لم تقع احالتها الى القضاء حتى آخر اوت 2020 تاريخ زيارتنا للوكالة، ومنها محاضر تخص مؤسسات ذكرت في التحقيق (خطية بعشرين ألف دينار لمسلخ باجة و20 ألف دينار لمذبح الدجاج و 30 الف دينار لمصنع السكر و 30 الف دينار لمدبغة بمنوبة).

  وحين عرضت معدتا التحقيق على رئيسة مصلحة الأوساط البيئية منى الصفاقسي جملة التجاوزات التى وثقها التحقيق والمراسلات التى تم توجيهها للوكالة للتنبيه لها، أكدت على تركيز الوكالة على وضعية تلوث مياه مجردة وقيامها بتركيز سبعة محطات بحوض مجردة للقيس الالي والمتابعة الحينية لنوعية المياه.

    واقرت ان مراقبة الانشطة الملوثة محدود، وعللّت ذلك بضعف الإمكانيات  والتنسيق بين هياكل الوكالة ذاتها، وارتفاع تكلفة التحاليل التي خصصت لها السنة الفارطة 70 الف دينار ،مشيرة الى انخفاض عدد التحاليل من أكثر من 07 الاف تحليل في 2010 الى 05 الاف تحليل فقط في 2018، فضلا عن جمود العقوبات، مبينة أنه يتم التوجه حاليا نحو مراجعتها بشكل أنجع وأكثر ردعا. 

هذه اللّهجة كانت أقلّ حدة تجاه تجاوزات ارتكبتها مؤسسات الدولة وأثبتها التحقيق، على غرار ديوان التطهير والمسالخ والبلديات، حيث التمست الصفاقسي لهم عذرا بعدم توفر الإمكانيات أمام كم كبير من التلوث، مؤكدة أنه تم تحرير عدد من المحاضر ضدهم.

"نفاذ السموم الى المائدة العميقة سيكون من الصعب جدا ازالتها وستتطلب اضعاف الامكانيات التى يتطلبها مقاومة تلوث مجردة حاليا"             

لا تكمن نجاعة العقوبات -رغم تواضع عددها- في قيمة ارقام الخطايا المدونة بالمحاضر، التي تصل الى ملايين الدنانير، و يتقبلها اصحاب المصانع باستهزاء غالبا، بل في ما تفضي اليه الأحكام القضائية بعد سنوات من التقاضي حسب اجماع خبراء الوكالة.

وتعتبر النزاعات البيئية رغم قلة وصولها للقضاء قضايا خاسرة لرافعي الدعوى، فلا تتضمن هذه الأحكام غالبا سوى مئات الدنانير وغرامات مالية بسيطة دون أحكام رادعة، حسب ما رصده خبراء حرروا بأنفسهم المحاضر و تابعوها لسنوات، وسط صعوبة في مهمة القضاء أحيانا في تحديد الإطار القانوني لأركان جريمة التلوث، وفي تحديد أضرار ذلك التلوث وصعوبة الإثبات العلمي للعلاقة السببية بين التلوث وبين تأثيراته.         

هنا يلفت خبير المياه عامر الحرشاني النظر إلى ان ما يطال مجردة جريمة الحاضر والمستقبل، وسط جدل كبير حول الجهة التي قد تجرّم هذا الفعل ومآل النزاعات البيئية ذات الطابع المتشعب، وطول إجراءات التقاضي.

  فلا يمكن للعقوبات مهما كانت جسامتها أن تجبر الضرر في تلوث مجردة، ولايمكن إعادة الحال إلى ما كان عليه، خاصة بتضرر المائدة المائية العميقة التي تتطلب حسب تأكيد وزيرة الفلاحة الحالية عاقصة البحري "سنوات وسنوات لتخليصها من الشوائب".

لتشاطرها الرأي الباحثة فاطمة الطرابلسي، حيث أكدت أن نفاذ تلك السموم الى المائدة العميقة يجعل ازالتها صعبة جدا و تتطلب أضعاف الامكانيات التى يتطلبها مقاومة تلوث مجردة حاليا، وتخليصه من انعكاسات الانتهاكات التي طالته، في مخالفة للدستور التونسي الذي ينص في الفصل 44 على" أن المحافظة على الماء وترشيد استغلاله واجب على الدولة والمجتمع" و لأحكام مجلة المياه.

لكن صوت ابن الجنوب عامر الحرشاني المنبهر بالماء منذ كان تلميذا بالصادقيّة والمستشار في استراتيجية الماء سنة 2050 يعلو بأمل مستحضرا ما أسماه "معجزات " ازالة تلوث شديد لانهار في اوروبا وأمريكا عايشها وواكب عودتها للحياة.

أنجز هذا التحقيق  بالتعاون مع مؤسسة كانديد   

اعداد /شريفة الوسلاتي نعيمة عويشاوي

تأطير / هيثم المكي

تحميل ميديا بلاير...
المزيد

الأكثر قراءة

وزارة الصحة: 68 حالة وفاة و 1206 حالة إصابة جديدة بفيروس كورونا الى غاية 20 نوفمبر الجاري (582 views)
وزارة الصحة : 69 حالة وفاة و 1240 إصابة جديدة بفيروس كورونا بتاريخ 21 نوفمبر الجاري (428 views)
أهم أنشطة بعثة تونس الدائمة لدى منظمة الأمم المتحدة بنيويورك (313 views)

النشرة الثقافية لوكالات الأنباء العربية

تحديثات تويتر النشرة الإخبارية الاتصال بنا

للحصول على النشرة الإخبارية، الرجاء التسجيل


tel: 71889000
fax: 71883500, 71888999