طب الاختصاص في القطاع العمومي .. عجز ذريع على تحقيق التوازن بين الجهات
23/11/2020 16:32, تونس/تـــــــــــونـــــــــس

تونس 23 نوفمبر (وات) – ( تحقيق من إعداد راقية السالمي)- " القائمون على المستشفى الجهوي بالسند من ولاية قفصة (الجنوب الغربي) لم يقدموا لي تفسيرا سوى أن حالة زوجتي تفاحة السوداني ( 38 سنة) تعكرت وبسبب غياب طبيب النساء والتوليد، اضطروا إلى توجيهها إلى أحد المستشفيات المجاورة لإسعافها غير أن الموت كان الأسرع واختطفها في سيارة الإسعاف وفارقت الحياة، لقد أخذتها بيدي إلى الموت.. لم أكن أتوقع ذلك في أحلك كوابيسي.." بدموع جارفة وشعور بالغبن والقهر تجاوزه أحيانا إلى السخط، استجمع نزاز الهادفي قواه وتحدى آلامه مستذكرا فاجعة فقدان زوجته وهي تضع طفلها الخامس.

ويستدرك " لم تكن ولادتها الأولى لدينا أربع أطفال (12 سنة و10 سنوات و6 سنوات وسنتين) ولم تشكو طيلة فترة الحمل من أي مشكل صحي كانت تتابع حملها لدى القابلة.. عند التاسعة من مساء الجمعة 30 أكتوبر 2020 باغت تفاحة المخاض، أخذتها من مسقط رأسي بزانوش إلى المستشفى الجهوي بالسند، حيث تم قبولها بقسم الولادة وطلبوا مني المغادرة بسبب حظر الجولان لأهاتفهم عند الحادية عشرة مساء للاطمئنان على حالتها فأخبروني أنها لا زالت تحت المراقبة وطلبوا مني الانتظار حتى يهاتفوني بمجرد وضعها المولود، لكن بدل هاتف المستشفى تلقيت مكالمة من مركز الأمن يبلغني بفاجعة وفاة زوجتي وجنينها.. لفت الدنيا من حولي ولم استوعب ما حدث حد الساعة (يوم الأحد صباحا 1 نوفمبر 2020) ".

تخنقه العبرة وتذرف دموعه ويواصل متسائلا "ماذا يمكنني أن أفعل مع أربعة أيتام كيف لي أن أشرح لهم ما حل بوالدتهم بسبب التقصير والإهمال والنظرة الدونية لسكان المناطق الداخلية واستهانة الحكومات المتعاقبة والمشرفين على القطاع الصحي بحياتهم فكيف لمستشفى جهوي أن يعمل دون طبيب نساء وتوليد، ما اضطرني إلى طلب تشريح جثتها بقسم الطب الشرعي بولاية القيروان لاكتشاف أسباب الوفاة الحقيقية..".

ويكشف هذا التحقيق فشل السياسات الحكومية في إرساء توازن في توزيع طب الاختصاص بالجهات واهتراء البنى التحتية بالمؤسسات الاستشفائية ما يحرم نساء من الجهات الداخلية (عينة التحقيق: ولايات القصرين وسيدي بوزيد وجندوبة وتطاوين ومدنين) من حقوقهن في الحياة والأمومة وفي وفاة أجنة أو استئصال أرحام أمهات واجهن صعوبات في الوضع وحالات نزيف أو إعاقات في صفوف المواليد.

نساء المناطق الداخلية، في المعاناة سواء

لقيت تفاحة ذات مصير حميدة البناني أصيلة ولاية القصرين ( 40 سنة) التي توفيت قبلها بنحو أربع سنوات أي في أوت 2016 تاركة وراءها ابنا بعمر الثلاث سنوات حينها ووليدها الجديد، إذ يستذكر زوجها لطفي حرشاني في لقاء مع معدة التحقيق الحادثة قائلا " بلمح البرق تحولت فرحتنا إلى دموع وحزن وألم.. يبدو أن الحظ العاثر ملازم لنا نحن سكان المناطق الداخلية، نعامل بسياسة المكيالين فزوجتي فجعت في مرة أولى ببكرها الذي توفي في 2012 بسبب استنشاقها الغاز المسيل للدموع الذي أطلقه على مسكننا أعوان الأمن لفض احتجاجات شعبية بمعتمدية الزهور من ولاية القصرين (الوسط الغربي) لكن مصيبتنا لم نكن نتوقعها في أبشع كوابيسنا".

"لقد رحلت حميدة للأبد، بعد أن زفوا لنا خبر وضعها وليدنا الثاني واستقرار حالتها الصحية، تلقينا فيهما التهاني لساعتين، وفي صورة لم تمح إلى اليوم من ذاكرتي، صورة زوجتي وسط برك الدم بسريرها في قسم الولادة بالمستشفى الجهوي للقصرين والممرضات في ارتباك وخوف، يحاولن إخفاء حقيقة الوضع، دخلت الغرفة ولامست جسدها البارد لا دم فيه ولا حياة لمن ناديت.. ليعلمني لاحقا رئيس القسم أنه مضطر لإجراء عملية استئصال رحم زوجتي لإيقاف النزيف، فصرحت له بما يراه صالحا لإنقاذ حياتها لكني كنت متيقنا أنها لن تعود ثانية، وارتهنت حياتها في غرفة الانعاش التي نقلت إليها عقب إجراء العملية، في مجموعة من الأسلاك والأجهزة لخمسة أيام، فارقت بعدها الحياة " يعود لطفي بلوعة المكلوم على تفاصيل رحيل أم ابنيه، مؤكدا أن سبب وفاتها مازال إلى أكتوبر 2020 غير معلوم رغم تشريح الجثة من قبل الطب الشرعي بالقيروان ورفع قضية بوزارة الصحة لتحديد المسؤوليات.

ويقول أخو الفقيدة حاتم بناني، أنه عاين لدى مرافقته شقيقته حميدة إلى قسم النساء والتوليد " تقصيرا كبيرا في التكفل بها، فلم يعر الطاقم الطبي وشبه الطبي أي عناية لملفها الطبي الذي ينص على ضرورة أن يباشر حالتها طبيب توليد بسبب عوامل الاختطار عندها إلا أن موعد وضعها تزامن مع حالة ولادة أخرى متعسرة باشرها الطبيب الوحيد المناوب حينها وبسبب النقص الفادح في عدد أطباء الاختصاص فقد تولت القابلات حالتها وكانت النتيجة وفاة أختي وترمل زوجها ويتم ابنيه حالهم في ذلك كعديد من متساكني مناطق الظل كما يحلو للعديد بتسميتنا فحق الحياة والصحة ليست من حقوقنا ..." حسب تقديره.

" رحلت حميدة كالعديد من نساء المناطق الداخلية اللاتي أسقطن من حسابات مخططات وبرامج التنمية وحرمن من أبسط حقوقهن كغيرهن من التونسيات، هن مواطنات من درجة ثانية يقعن خارج دائرة اهتمام وأولويات القائمين على البلاد" هكذا صور حاتم واقع الحرمان من طب الاختصاص في جهته.

وضع صحي استنكر ترديه والخدمات المسداة لمواطني المناطق الداخلية وما يعانونه من تهميش واستخفاف بحياتهم وإسقاط حقهم في الصحة المكفول دستوريا ضمن الفصل 22 للدستور التونسي والذي ينص على أن " الحق في الحياة مقدس، لايجوز المساس به إلا في حالات قصوى يضبطها القانون"، الناشط بالمجتمع المدني بالقصرين وديع خضراوي في لقاء مع معدة التحقيق.

ويضيف "حميدة البناني وتفاحة سوداني وأخريات كثر... كلهن ضحايا نفس المنظومة الصحية، ذنبهن الوحيد أنهن حلمن حلما بريئا بـ" الأمومة وحضن فلذات أكبادهن"، وعلى بساطته صار صعب المنال بسبب افتقار جهاتهن لمؤسسات استشفائية تحترم الذات البشرية، إن توفر فيها الطبيب المختص غابت عنها التجهيزات والأدوية وإن وجدت هذه الأخيرة، تردت حالة الطرقات المؤدية لها وانعدمت وسائل النقل المتواترة لضمان وصول الحوامل لها في ظروف آمنة زيادة على الظروف الاقتصادية الصعبة بالجهات الداخلية.. لقد بات البقاء على قيد الحياة في تونس 2020 لاسيما بالمناطق الغربية للبلاد والشمال الغربي والجنوب عنوان رفاهية لمن لهم الإمكانيات المادية وللمتواجدين في محيط المدن الكبرى أو على الشريط الساحلي".

الجهات الداخلية خارج نطاق التغطية

لقد أمسى قطاع الصحة وجها من أوجه الظلم المسلط على أهالي المناطق الداخلية المسقطة من مخططات التنمية وبرامج الاستثمار العمومي والخاص على حد السواء ما عمق قتامة واقعها فكل المؤشرات الصحية التي تضمنتها الخارطة الصحية المنشورة على بوابة وزارة الصحة بما في ذلك توزيع المؤسسات الاستشفائية والإطارات الطبية وشبه الطبية والتجهيزات وكذلك نسب وفيات النساء عند الولادة أو الرضع تتجاوز بكثير المؤشرات الوطنية أو المسجلة بالمدن الكبرى والشريط الساحلي تعكس اللامبالاة حيال أهالي هذه المناطق المحرومة من أبسط الحقوق الانسانية في الصحة والعيش الكريم " في قراءة قدمها لمعدة التحقيق الناشط في المجتمع المدني بجندوبة الواقعة على بعد 150 كلم شمال غربي العاصمة، كمال بوسالمي.

ويوضح المدير الجهوي للصحة بالقصرين عبد الغني الشعباني أن واقع طب الاختصاص في جهته يشكو شأنه شأن باقي الجهات الداخلية، عديد النقائص مقارنة بالمستوى الوطني وخاصة بمستويات المناطق الساحلية على مستوى الموارد البشرية أو على مستوى التجهيزات لافتا إلى أنه رغم شساعة الجهة وكثافتها السكانية ( أكثر من 500 ألف ساكن) لا يوجد بها سوى 7 أطباء اختصاص لكل 100 ألف ساكن بالجهة مقابل 31.7 على المستوى الوطني حسب إحصائيات 2019 مؤكدا أنها تفتقر لعديد الاختصاصات التي لا تفي بالحاجة في حال توفرها.

ويضيف " يضطر المشرفون على المستشفى الجهوي الوحيد بالقصرين أو المستشفيات المحلية الستة إلى توجيه المرضى إلى الأقسام الجامعية في عديد الاختصاصات بسوسة وصفاقس وتونس، بمعدل 1470 حالة سنويا، ما يتسبب أحيانا عدة في وفاة المريض لتعكر حالته الصحية نظرا لبعد المسافة إلى هذه المؤسسات الاستشفائية الجامعية التي تستغرق مدة الوصول إلى الأقرب منها (ولاية سوسة 210 كلم) 3 ساعات و8 دقائق حسب تقديرات خرائط غوغل بالإضافة إلى تردي وضعية الطرقات المؤدية إليها".

أقسام التوليد بمختلف المستشفيات الجهوية بالولايات عينة التحقيق، تكاد تكون النقطة الأكثر قتامة في سواد واقع الصحة في الجهات الداخلية، إذ يؤكد رئيس قسم التوليد بالمستشفى الجهوي بالقصرين مسعود قسومي، أن الطبيب المناوب، من بين ثلاثة أطباء يمارسون بهذا القسم الذي يشهد سنويا ما يزيد عن 11 آلاف ولادة، يقوم خلال مناوبته بضعف الخدمات الصحية التي يقدمها زملاؤه بمستشفيات جامعية بسبب النقص الفادح في عدد أطباء النساء والتوليد بهذا القسم وكثافة العمل والتدخلات الطبية المختلفة، ما يجعل التكفل بجميع الحالات في نفس المستوى صعبا كما وقع في حالة حميدة البناني.

وفي المقابل اعتبر قسومة أنه بقدر ما يطرحه العمل بالجهات الداخلية من عناء ومشقة تصل في بعض الأحيان حالة من السخط خاصة لغياب بعض التجهيزات أو لنقص الإطارات الطبية وشبه الطبية المختصة والأدوية والنفور من العمل فيها، فإنه يقدم فرصة ذهبية للطبيب لما يتوفر له من حالات متنوعة ونادرة تساعده على التميز في اختصاصه مقدرا أن تردي الوضع الصحي بالقصرين وبباقي الولايات المحرومة في ارتباط وثيق بباقي القطاعات الأخرى منها التجهيز ( وضع الطرقات والمسالك الريفية الوعرة) والظروف الاجتماعية (ضعف المقدرة الشرائية ما يحرم الحوامل من متابعة الحمل ووضع الوليد في ظروف صحية جيدة) والاقتصادية والتنموية وبالعقلية والموروث الثقافي التقليدي.

نقص الإطارات الطبية وشبه الطبية اشتكت منه أيضا رئيسة قسم النساء والتوليد بالمستشفى الجهوي بجندوبة ماريا شملي التي أكدت أن هذا المشفى الذي يعمل تقريبا بثلث احتياجاته من الإطارات الطبية وشبه الطبية ، شهد سنة 2019 تسجيل 3242 ولادة، اقتضت 35 بالمائة منها إجراء عمليات قيصرية واستوجب عدد آخر من الولادات العسيرة حضور طبيب نساء وتوليد وهو أمر قد لا يكون متاحا في حالات عدة بسبب النقص الكبير في عدد الأطباء حيث لا يوجد سوى طبيان بالمستشفى أحدهما أجنبي بالإضافة إلى ثلاثة متعاقدين بجهة يقارب عدد سكانها، حسب التعداد العام للسكان لسنة 2014 النصف مليون نسمة، ويناهز بها عدد الولادات السنوية ال10 آلاف ولادة.

وأكدت الشملي أن النساء الحوامل بالجهة تعوزهن في الكثير من الأحيان الامكانيات لبلوغ مراكز الصحة الأساسية البالغ عددها 118 مركزا، التي يصعب الوصول إلى 55 بالمائة منها حسب بيانات المجلس الجهوي للصحة بجندوبة بتاريخ 9 جويلية 2019، ولا تؤمن 75 بالمائة منها سوى عيادة وحيدة أسبوعيا بسبب نقص الأطباء، ما يضطر سكان هذه المناطق إلى التنقل إلى المستشفيات الجهوية وتحمل مصاريف إضافية ومعاناة معنوية للمريض بسب الزحام والاكتظاظ بهذه المؤسسات.

ورغم وجود مستشفى جامعي بمدنين يتوفر على كل التجهيزات الطبية وقاعات عمليات، فإنه يفتقد أطباء الاختصاص وأساسا المختصين في طب النساء والتوليد القارّين بالجهة التي تشهد ما يزيد عن 10 آلاف ولادة في السنة تتم نسبة ما بين 30 و35 بالمائة منها بعمليات قيصرية حسب ما أفاد به المدير الجهوي للصحة جمال الدين حمدي.

نقص أطباء النساء والتوليد تعاني منه ولاية سيدي بوزيد التي لا يوجد بها سوى 3 أطباء متخصصين يشرفون على متابعة ما يقارب 150 ألف إمرأة في سن الإنجاب، بجهة تضم مستشفى جهويا و8 مستشفيات محلية ومجمع صحة أساسية ومركز وسيط و10 مراكز توليد و124 مركز صحة أساسي، حسب رئيس مصلحة التقييم والخارطة الصحية بالإدارة الجهوية للصحة بالجهة هشام علوي، الذي دعا إلى التعجيل بإيجاد الآليات الكفيلة بتحقيق تكافؤ الفرص بين النساء بالمناطق الداخلية ونساء المدن الكبرى للحصول على خدمات طب الاختصاص لتفادي الوفيات قدر الإمكان كما في حالة تفاحة وجنينها مشيرا إلى أن الجهة سجلت 3 وفيات لنساء حوامل خلال سنة 2018 وحالتين سنة 2019.

كفة طب الاختصاص تميل لسواحل البلاد

شكوى أهالي ومسؤولي القطاع الصحي تجد صداها في إحصائيات وزارة الصحة المضمنة في الخارطة الصحية المنشورة على موقع وزارة الصحة على شبكة الإنترنات، والتي تشير إلى أن عشر ولايات تشكو نقصا كبيرا في عدد الأطباء، ويتدنى فيها المعدل العام للأطباء المقدر ب130 طبيا لكل 100 ألف ساكن إلى أقل من النصف أحيانا حيث تصل إلى 51 طبيا لكل 100 ألف ساكن، مع نقص أكثر حدة في عدد الأطباء والإطارات شبه الطبية في كل من الكاف وجندوبة في الشمال الغربي وقبلي وتطاوين في الجنوب.

ويقدر عدد الأطباء الاختصاص، حسب ذات الإحصائيات، ب 14892 طبيبا، 54.65 بالمائة منهم في القطاع الخاص، ما يعادل 8139 طبيبا و45.34 بالمائة في الصحة العمومية أي ما يعادل 6735 أطبا يمارس أكثر من ثلثيهم أي ما يعادل 4490 في المستشفيات الجامعية الكبرى بتونس العاصمة وصفاقس والمنستير وسوسة، وهو ما دفع الوزارة إلى التعاقد مع عدد من الأطباء الأجانب لا سيما من الصين ودول أوروبا الشرقية للعمل في المناطق الداخلية لسد الشغورات خاصة في عدد من الاختصاصات الحياتية على غرار طب النساء والتوليد الذي يباشره بتونس الكبرى وسوسة والمنستير وصفاقس 594 طبيبا مختصا، مقابل 56 طبيبا بولايات مدنين وتطاوين وجندوبة وسيدي بوزيد والقصرين (ولايات العينة) من مجموع 866 طبيبا بمختلف جهات البلاد، حسب احصائيات عمادة الأطباء.

ذات التباين يسجل أيضا على مستوى أطباء التخدير والإنعاش إذا يتوزع أكثر من ثلثي عددهم أي 189 طبيبا بتونس الكبرى وسوسة والمنستير وصفاقس مقابل 9 بولايات العينة من مجموع 311 طبيبا مختصا بمختلف جهات البلاد، وهو ذات التباين المسجل على مستوى توزيع أطباء الأطفال البالغ عددهم 489 بكل من تونس الكبرى والمنستير وسوسة وصفاقس مقابل 47 طبيبا بولايات عينة التحقيق مجتمعة من مجموع 694 بمختلف الجهات.

التباين الحاصل على مستوى توزيع أطباء الاختصاص يؤكده وبشكل واضح انعدام المستشفيات الجامعية بولايات العينة، إذ تتركز أكثر من نسبة 70 بالمائة من هذا الصنف من المستشفيات بولايات سوسة والمنستير والمهدية وولايات تونس الكبرى وصفاقس، أي ب17 مستشفى جامعيا من جملة 24 موزعة على مختلف الجهات، مقابل غياب شبه تام لهذه المؤسسات الاستشفائية بولايات العينة ( مستشفى وحيد بمدنين ل اتتوفر به أغلب الاختصاصات)، حسب ما نشر على البوابة الوطنية للإعلام القانوني، وهو ما يعكس اختلال التوازن على مستوى الخارطة الصحية في تونس التي تشمل بين مكوناتها 24 مستشفى جامعيا و33 مستشفى جهويا و109 مستشفى محليا بالإضافة إلى 2157 مركز صحة أساسية ينتشر أغلبها بالمناطق الداخلية و3 مستشفيات عسكرية ومستشفى لقوات الأمن الداخلي و22 مؤسسة استشفائية بين معاهد ومراكز مختصة بمختلف جهات البلاد.

وتؤمن مختلف الهياكل الصحية المذكورة مجتمعة 18 مليون عيادة طبية ومليون عملية جراحية و800 ألف إقامة بالمستشفى، سنويا، بحسب إحصائيات سنة 2019 لوزارة الصحة التي ناهزت الميزانية المرصودة لها لسنة 2020 ودون اعتبار الموارد الذاتية للمؤسسات العمومية، 2544.43 مليون دينار أي ما يعادل نحو 5.4 % من الميزانية العامة للدولة تصرفا وتجهيزا .

وعلى أهمية هذه المؤشرات، ظلت المناطق الداخلية تعاني مشاكل مزمنة على مستوى ولوج موطنيها للحق في الصحة إذ تفتقر مؤسساتها الصحية إلى أطباء الاختصاص والإطارات شبه الطبية والتجهيزات والأدوية مجتمعة أو منفردة في المقابل ينعم سكان ولايات تونس الكبرى والشريط الساحلي وصفاقس حيث تتركز تقريبا كل المستشفيات الجامعية، بخدمات نسبة 75 بالمائة من أطباء الاختصاص حسب ما جاء بالخارطة الصحية.

ويؤكد كاهية مدير إدارة الرعاية الصحية الأساسية التابعة لوزارة الصحة المكلف بتقييم البرامج الصحية وخاصة البرنامج الوطني لصحة الأم والوليد محمد الشاوش أن 200 ألف ولادة حية تسجل سنويا على المستوى الوطني 5ر89 بالمائة منها تحدث بين المؤسسات الصحية بالقطاعين العمومي والخاص وأن نسبة وفيات الأمهات تقدر إلى حدود سنة 2019 على الصعيد الوطني ب 8ر44 لكل 100 ألف ولادة حية، 30 وفاة منها تقع بالمناطق الداخلية (الوسط الغربي والجنوب الشرقي والشمال الغربي).

ويوضح المتحدث أن 70 بالمائة من هذه الوفيات يمكن تفاديها لافتا إلى أن الوزارة خصصت في هذا الصدد إستراتيجية وطنية للحد من وفيات الأمهات 2024/2020 ترتكز بالخصوص على 5 محاور تهتم بتسهيل إتاحة الخدمات الصحية لجميع الفئات وبكافة الجهات بصفة متواصلة، وتحسين جودة الخدمات، وتحسين الحوكمة، وحسن استعمال الموارد والمساءلة، إضافة إلى دعم المشاركة المجتمعية والمجتمع المدني في النهوض بصحة الأم والوليد، ودعم نظم المتابعة والتقييم.

حلول ترقيعية وقتية.. لتسكين جروح لن تندمل

خوفا من مصير تفاحة وحميدة وغيرهما مما تناهى إليه خبرهن، إضافة إلى قلة ذات اليد وبعض العادات والتقاليد بالجهة، فضلت حياة (36 سنة فلاحة وأم لأربعة أطفال) من عمادة صولة من معتمدية ماجل بلعباس من ولاية القصرين (350 كلم عن تونس) الوضع بالمنزل في مناسبتين بمساعدة إحدى قريبات جدتها مؤكدة أنها لا تقدر على تكاليف الولادة بالمستشفى المقدرة بأكثر من 300 دينار للولادة الطبيعية، خاصة أنها لا تتمتع بتغطية اجتماعية. ولفتت إلى أن العديد من الحوامل توجهن نحو ذات الخيار في هذه المنطقة الفقيرة التي تسجل أعلى نسبة فقر على الصعيد الوطني ب 32.8 بالمائة ونسبة 10 بالمائة من الفقر المدقع حسب تقرير للمعهد الوطني للإحصاء أنجزه بالتعاون مع البنك الدولي خاص بخريطة الفقر بالبلاد التونسية في سبتمبر 2020، مقابل غياب موارد الرزق وتقهقر المقدرة الشرائية بمختلف المجالات والخدمات الطبية والصحية.

تدني خدمات التكفل بالحوامل بقسم النساء والتوليد بالمستشفى الجهوي بتطاوين الذي يشكو بدوره عدم توفر طبيب نساء وتوليد قار والذي شهد سنة 2019 حوالي 1800 ولادة طبيعية و867 عملية قيصرية وسجل وفاة 27 جنينا لم تتفطن لها الأم، حسب الممرضة العامة به آسيا العايب التي أكدت أنه لم يتم تجاوز هذا الوضع إلا من خلال حصص الاستمرار التي تم اعتمادها منذ سنة 2016 في إطار برنامج دعم طب الاختصاص بالجهات وتعزيز العمل بهذا القسم بعدد من الأطباء من المستشفيات الجامعية بصفاقس في إطار حصص استمرار لمدة 24 ساعة مدفوعة الأجر يؤمنها بأحد مستشفيات المناطق الداخلية، طبيب اختصاص عادة من أحد المستشفيات القريبة، بمعدل لا يتجاوز ثماني حصص شهريا، يتقاضى مقابلها الطبيب 570 دينار عن الحصة.

وفي ذات السياق تقول منسقة مشاريع وبرامج الجمعية التونسية للصحة الإنجابية بتطاوين، نسرين الونيسي، أن جٍمعيتها تعمل، في إطار اتفاقيات تعاون وشراكة مع وزارة الصحة، على توفير خدمات صحية مجانية مباشرة وغير مباشرة طيلة 5 أيام في الأسبوع فضلا عن إرسال فريق متنقل نهاية الأسبوع، إلى الأرياف والمناطق البعيدة يؤمن عيادات طبية لفائدة 5 آلاف امرأة سنويا من بين النساء الحوامل وعيادات ما بعد الوضع ويكشف عن الفتيات والنساء في سن الإنجاب ويقدم نصائح للحوامل أو حديثات الوضع بخصوص متابعة الحمل إلى جانب إرشادهن بخصوص الرضاعة الطبيعية وطرق تنظيم الولادات.

حوافز وتشجيعات لا تسمع الأصم

لئن تعددت الحوافز المشجعة على العمل داخل الجهات على غرار إجراء منح حصص الاستمرار وإمكانية الترخيص للأطباء العاملين بالجهات الداخلية بممارسة نشاط خاص بمقابل والتعيينات في الخدمات المدنية الإجبارية بهذه المناطق وهي آلية تم اقتراحها فترة حكم الترويكا (2013) ولاقت رفضا من أغلب المتدخلين في القطاع الصحي الذين اعتبروها نوعا من التدخل السافر في خصوصيات الأطباء واختيار أماكن استقرارهم، بقي متساكنو الولايات الخمس ومناطق داخلية أخرى يكابدون للحصول على أبسط حقوقهم، الحق في الصحة التي ضمنه الفصل 38 من دستور تونس الجديد

وينص هذا الفصل على أن " الصحة حق لكل إنسان. تضمن الدولة الوقاية والرعاية الصحية لكل مواطن، وتوفر الإمكانيات الضرورية لضمان السلامة وجودة الخدمات الصحية. تضمن الدولة العلاج المجاني لفاقدي السند، ولذوي الدخل المحدود. وتضمن الحق في التغطية الاجتماعية طبق ما ينظمه القانون".

ويوضح وزير الصحة السابق سعيد العايدي (فيفري 2015 إلى أوت 2016 حكومة الحبيب الصيد) في لقاء مع معدة التحقيق أنه أمام تواصل تذمر المواطنين التونسيين من عدم توفر التغطية الصحية في الجهات الداخلية شكلت وزارة الصحة أواخر سنة 2015 لجنة لمواجهة هذا الإشكال ودعم طب الاختصاص في الجهات ذات الأولوية وتم الاتفاق وقتها على إحداث برنامج دعم طب الاختصاص بالجهات ذات الأولوية نظرا للنقص الملحوظ في الاختصاصات الطبية الحياتية بالجهات الداخلية الناجم عن عزوف أطباء الاختصاص عن العمل بها وتم ضبط تسع اختصاصات بمقتضى قرار وزاري وهي أمراض النساء و التوليد و طب الأطفال والجراحة العامة وجراحة العظام والكلوميات والتخدير والإنعاش و التصوير الطبي وأمراض القلب والإنعاش الطبي وأمراض العيون.

كما تم في إطار هذا البرنامج الذي انطلق العمل به بداية سنة 2016 باعتمادات 26 مليون دينار سنويا، تحديد الجهات ذات الأولوية في التدخل أهمها جهات ذات أولوية صنف أ ( 16 مستشفى جهوي وهي مستشفيات جندوبة طبرقة والكاف وسيدي بوزيد والقصرين و توزر و نفطة و قفصة والمتلوي و قبلي و مدنين و بن قردان و تطاوين وسليانة وقابس والقيروان) وجهات ذات أولوية صنف ب ( 10 بمستشفيات جهوية وهي الحبيب بوقطفة ببنزرت وباجة وزغوان و جرجيس وجربة وقرقنة ومنزل بورقيبة ومنزل تميم و محمد التلاتلي بنابل و المستشفى المحلي بالحامة).

وانطلق تنفيذ البرنامج يوم 3 جانفي 2016 بأربع مستشفيات جهوية بالقصرين والكاف و تطاوين وقبلي وتواصل بصفة تدريجية ليشمل 24 مستشفى من جملة الـ 26 المبرمجة، في انتظار دخوله حيز التنفيذ بكل من مستشفى نفطة ومستشفى الحامة.

وقد ساهم هذا البرنامج في التخفيف من الضغط وتأمين تغطية الجهات المعنية بالعيادات والاختصاصات المفقودة على مدار الأسبوع، حسب ما أكده المدير الجهوي للصحة بجندوبة محمد رويس الذي أبرز تراجع توجيه حالات الولادة العسيرة نحو مستشفيات تونس الكبرى بعد الشروع في إيفاد أطباء في اختصاص النساء والتوليد للجهة وتقلص الحوادث التي تصيب الام وجنينها.

وفي المقابل شدد رئيس مصلحة التقييم والخارطة الصحية بالإدارة الجهوية للصحة بسيدي بوزيد هشام علوي على أن هذا البرنامج رغم ما حققه من فرص علاج مختصة لمتساكني الجهات الداخلية إلا أنه لا يعدو أن يكون برنامجا وقتيا مرتبطا فقط بجاهزية الطبيب للتحول للعمل في الجهات الداخلية وليس حلا جذريا لفض معضلة تهم آلاف المتساكنين وتمس اختصاصات دقيقة طالما خلفت حرقة في قلوب المواطنين الذين يجدون أنفسهم أحيانا كثيرة وجها لوجه مع حتمية الموت، حسب توصيفه.

وقد انخرط في برنامج دعم طب الاختصاص بالجهات 796 طبيبا مختصا 87 % منهم من القطاع العمومي،( 35 % من بينهم من النساء)، حسب المديرة العامة المكلفة بالتنسيق بين الجهات سهام بللونة، عند مواجهتها بواقع المنظومة الصحية.

وارتفع عدد أيام الدعم سنة 2019 بنسبة 8.7 بالمائة مقارنة بعدد أيام 2018 المقدر ب 21287، ما مكن من تأمين 23139 يوم دعم في شكل حصص استمرار للأطباء المختصين في مختلف الاختصاصات بالمؤسسات الاستشفائية بالمناطق الداخلية التي تشكو نقصا في أطباء الاختصاص أي بنسبة 49 %من مجموع أيام الاستمرار المنجزة بالمستشفيات ال24 المعنيّة.

واستأثرت ولايات القصرين و تطاوين وتوزر بنصيب الأسد منها مع تفاوت في نسب أيام الدعم من جملة أيام الاستمرار الجملية حسب الاختصاصات إذ يتصدر اختصاص الجراحة العامة أعلى النسب 59 % يليه اختصاص طب أمراض النساء والتوليد بـ 58 % ثم اختصاص التخدير والإنعاش 52 % وتراوحت نسب التغطية بفضل هذا البرنامج بمختلف الاختصاصات بالجهات المستهدفة سنة 2019 بين 96 % بالمائة بالنسبة لاختصاص جراحة العظام والكلوميات و72 %بالنسبة لاختصاص الإنعاش الطبي الذي يبقى في حاجة إلى الدعم.

وأضافت بللونة أن نسبة تغطية طب أمراض النساء والتوليد بلغت 88 % وقد مكن هذا البرنامج من تحسين تغطية حاجيات الجهات ذات الأولوية بالاختصاصات الطبية الضرورية، إذ بلغت نسبة الإنجاز العام 85 %سنة 2019 مقابل 48 %سنة 2016 على أمل بلوغ نسبة 98 %سنة 2022 مشددة على أهمية هذا البرنامج في تلبية حاجيات المواطنين وضرورة دعمه لبلوغ الأهداف المنشودة بتعميمه على كافة المستشفيات المعنية به نظرا لنقص أطباء الاختصاص بها على غرار المستشفيات الجهوية بالشمال الغربي والوسط الغربي والجنوب .

ونظرا لما حققه هذا البرنامج من نتائج إيجابية وأثره في توفير الخدمات الصحية الدقيقة بالجهات الأقل حظا، قامت وزارة الصحة منذ 2017 بإعداد برنامج جديد لدعم طب الاختصاص في المناطق الداخلية من خلال تكوين 630 طبيبا انطلاقا من 2018 في 15 اختصاصا حياتيا على غرار القلب النساء والتوليد والتخدير والإنعاش وطب الأطفال، على أن تتخرج الدفعة الأولى منهم موفى سنة 2022 سيوجهون للعمل لمدة 4 أو 5 سنوات بالجهات التي تعهدوا بالعمل فيها.

وبمواجهة مدير عام الهياكل الصحية بوزارة الصحة محمد مقداد بهذا الواقع قدر أن التوزيع الجغرافي للمؤسسات الصحية بالبلاد التونسية يعتبر جيدا وكذلك بالنسبة للتجهيزات وانتشار الاقسام الجامعية بعدد من المستشفيات الجهوية مبينا أن ما يسجل من نقص في عدد أطباء الاختصاص في الجهات بسبب عزوفهم على التنقل والعمل بهذه المؤسسات لا مبرر له وهو مسألة عقلية حسب تقديره.

ولفت إلى أن طبيب اختصاصي في الجهات يتقاضى 3500 دينار مع 8 ليالي تناوب في الشهر ب570 دينار الليلة ليصل بذلك راتبه الشهري الى ما يزيد عن 8 آلاف دينار في حين أنه بمجرد النجاح في امتحان المعادلة ويتحول للعمل بأحد أرياف فرنسا يتقاضى راتبا شهريا لا يتعدى 3500 أو 4000 يورو (10 آلاف دينار أو 12 ألف دينار تونسي) وهو راتب لا يبعد كثيرا عن الراتب الذي يتقاضاه في تونس مع زيادة في مستوى العيش في أوروبا وغلاء المعيشة هناك.

وعلى ما قدمه مدير عام الهياكل الصحية فقد عرت جائحة كورونا واقع قطاع طالما كان مفخرة تونس الاستقلال وتونس الأمس واليوم التي تتباهى بمجانية الصحة وتغطيتها لمختلف جهات البلاد شمالها وجنوبها بالخدمات الصحية حيث انكشف الخلل الكبير وظهرت الإشكاليات العويصة التي ظلت لسنوات من الملفات المسكوت عنها وكشفت النقائص الكبرى في قطاع الصحة العمومية الذي ترجل لفائدة القطاع الخاص الذي استحوذ على مختلف مفاصل القطاع وبرز بالكاشف التباين بين القطاعين الى جانب تفاقم ظاهرة هجرة الإطارات الطبية وشبه الطبية وتفقير القطاع...

تم انجاز هذا التحقيق بالتعاون مع الوكالة الفرنسية لتطوير وتنمية الإعلام CFI وبإشراف حنان زبيس

المزيد

النشرة الثقافية لوكالات الأنباء العربية

تحديثات تويتر النشرة الإخبارية الاتصال بنا

للحصول على النشرة الإخبارية، الرجاء التسجيل


tel: 71889000
fax: 71883500, 71888999