صفاقس: كل مناهم الظفر بقويريرة غاز تُوقد نار قِدر يسدّ رمقهم وتُطفئ نار انتظار طويل وش عور حارق بالغبن جرّاء خطأ لم يقترفوه (ربورتاج)
02/12/2020 15:33, صفاقس/تـــــــــــونـــــــــس

صفاقس 2 ديسمبر (وات / تحرير محمد سامي الكشو مكتب صفاقس) تسمروا واقفين أمام مستودع توزيع قوارير الغاز المنزلي بطريق المطار على بعد كيلومتر واحد من قلب مدينة صفاقس، كانوا في انتظار وصول شاحنات قوارير الغاز التي أتت قادمة من ولايات الشمال ونفدت حمولتها بسرعة دون أن ينالوا منها حصتهم. وجوه شاحبة غاضبة أنهكها التعب والضيم و"الغبن" جراء الأزمة الخانقة لنفاد قوارير هذا المنتوج الحيوي في جهة صفاقس بعد أن أغلق المعتصمون مدخل المنطقة الصناعية بغنوش من ولاية قابس التي تزود كامل إقليم الجنوب.

الطوابير الطويلة من المواطنين الذين اصطحبوا معهم قوارير غازهم الخاوية ولم يبرحوا مواقعهم أمام المستودع الكبير بطريق المطار ورابطوا هنالك ساعات وساعات من بعد ظهر يوم أمس الثلاثاء إلى منتصف الليل وكل مناهم الظفر بقويريرة غاز توقد نار قدر تطفئ نار انتظارهم وشعورهم الحارق بالغبن جراء تحملهم نتيجة خطأ لم يقترفوه.

للأسبوع الثالث على التوالي تتواصل معاناة أهالي ولاية صفاقس بمدنها وقراها وأحيائها ولا سيما في أوساط العامة والسواد الأعظم من المواطنين فيها ممن لم يحظوا بالربط بشبكة الغاز الطبيعي التي أضحت ملجأ آمنا للإفلات من قبضة هذه الأزمة الخانقة المفتعلة كما يراها ويحس بها هؤلاء المواطنين في مشهد أشبه ما يكون بما تنقله التلفزات عن أزمات الحروب والمآسي الاجتماعية التي تتبعها..

من أجل الظفر بقارورة غاز منزلي تُوقد عليها نار ويُوضع عليها قِدر يُسدّ به رمق أطفال جائعين وآباء وأمهات بهم أسقام قارورة غاز تلبي حاجتهم الماسة في تدفئة ماء شديد البرودة يستحم به رضيع أو شيخ مسن أو بنت أو أب ينتظر أن يرفع عنه غبار يوم مليئ بالتعب والعمل الشاق افترشوا الأرض والتحفوا السماء ووصلوا الليل بالنهار.

للأسف كانوا من بين اللذين لم يسعفهم الحظ والتزود بقارورة غاز فقد نفدت 2540 قارورة بسرعة تم توزيعها على عدد ضئيل من مناطق الجهة دون الأغلبية وتمكن البعض ممن تحولوا الى المستودع من نيل مبتغاهم فيما بقي الكثير على ظمأه كما أفاد بذلك محمد المنيف رئيس الغرفة الوطنية لموزعي قوارير الغاز الذي كان في مواجهة الطلبات الملحة لأصحاب القوارير الخاوية وغضبهم.

"ألا يعلم المعتصمون الذين أغلقوا مواقع الإنتاج ومنعوا عنا قوارير الغاز في هذا الشتاء البارد إنما يحرمون بفعلتهم هذه البسطاء والضعفاء من أبناء هذا الشعب المنكوب من الحق في الأكل والشرب"، بهذه الحرقة والغضب الممتزج بالمظلومية تحدث الكثير ممن لم يسعفهم الحظ للظفر بقارورة غاز على غرار السيدة سلوى وهي امرأة سبعينية. لليوم الثالث على التوالي تؤكد محدثتنا وقد أضناها الانتظار والصدّ أنها تأتي بقارورتها ثم تعود بعد ساعات من الانتظار خاوية الوفاض. حتى تقدمها في السنّ وحالتها الصحية وهي التي تعاني نقصا حادا في السمع وأمراض أخرى لم يشفعا لها أمام شراسة المشهد الذي صار فيه الأمر أشبه بيوم الحشر حيث يفر المرؤ من أخيه وصاحبته وبنيه والكل يتصرف بطريقة "نفسي نفسي" فالكل في أمس الحاجة.

كان المشهد بائسا حيث شاحنات نقل البضائع تنتظر بدورها مددا دون أمل كبير في نيله وكان المواطنون يتوافدون فرادى وجماعات على المستودع فمنهم من يعود خائبا خانعا صامتا ومنهم من يصب جام غضبه على خزنة المستودع الذين تذمروا من جهتهم من تصرفات بعض المواطنين "الشرسين" في طلب حقهم. كانت السيدة روضة التي يرافقها شاب يحمل عنها قارورة الغاز الفارغة من الغاضبين ليس لما آل إليه أمر عائلتها فحسب ولكن أيضا لأصدقاء لها منعتهم الإصابة بمرض "الكوفيد" من التنقل للتزود بقارورة حالتهم الصحية جعلتهم في أمس الحاجة إليها.

بدوره عبد الحميد عبر عن استيائه الشديد من عدم نيل المواطنين في المعتمديات ولا سيما معتمدية عقارب التي ينحدر منها حصتهم من الكميات الضئيلة التي يتم جلبها كما عبر عن حيرته وحيرة الكثيرين ممن تمنعهم التزاماتهم المهنية من قضاء ساعات في طوابير الانتظار. التجأ الكثيرون في الأرياف إلى إشعال المواقد في الطبيعة دون سقف يأويهم لسد رمقهم وكره آخرون في العمارات وحيث لا مكان لموقد تناول المصبرات وعلب السردينة كما جاء على لسان أحدهم.

سليم سائق "تاكسي" أكد بدوره على أن أصحاب سيارات الأجرة التاكسيات هم أيضا من ضحايا الوضع المتأزم جراء نفاد قوارير الغاز وهو ما حدا بهم لتنفيذ إضراب عن العمل اليوم في مدينة صفاقس فزاد عليها شلل النقل الخاص. طالب هذا الشاب الذيمسه الضررّ من هذه الأزمة مسّا مضاعفا كمنتمي لقطاع متضرّر وكإبن عائل لوالده يحتاج الغذاء والدواء والماء الدافئ بضرورة أن تتصرف الدولة بسرعة في إنهاء هذه الأزمة وما رافقها من سلوكيات بغيضة مثل الاحتكار والرفع في قيمة القوارير وإنهاك كاهل "الزوالي" بأعباء إضافية لا يقدر على تحملها.

النساء والرجال والشبان المنتظرون بصوت واحد توجهوا لرأس السلطة في تونس الرئيس قيس سعيد مطالبين إياه بإخراجهم من المأزق وتدبر الحل للقارورة المفقودة... "أليس هو رئيسنا الذي انتخبناه فكيف لا يحل لنا أبسط المشاكل التي صرنا نتخبط فيها؟" تساءل آخرون عما يفعله رئيس حكومتهم إن لم يكن قادرا على بسط القانون وتجسيم العدالة بين الناس في أبسط المرافق والحقوق.

المشهد البائس لم يخل من سخرية عبر عنها الكثيرون عبر الوسائط الاتصالية المختلفة وكان لسان حالهم يردد قول الشاعر : لقد هزلت حتى بدا من هُـزالها * * * كلاها وحتى سامها كل مفلس

دوّن البعض منهم قائلا : "كانت مطالب صفاقس فيما مضى تنفيذ مشروع تبرورة والمدينة الرياضية والمترو فصارت مطالبها قارورة غاز".

وات/مسك

المزيد

النشرة الثقافية لوكالات الأنباء العربية

تحديثات تويتر النشرة الإخبارية الاتصال بنا

للحصول على النشرة الإخبارية، الرجاء التسجيل


tel: 71889000
fax: 71883500, 71888999