الهجرة ... الحل المر لأبناء جنوب المتوسط
30/03/2019 19:47, تونس/تـــــــــــونـــــــــس

تونس 30 مارس (وات- تحرير بهيجة بلمبروك) جان دارك، تنحدر من عائلة إيفوارية ألقت بها أيادي شبكات الاتجار بالبشر في تونس، حين كانت تجتهد في الوصول إلى الضفة الشمالية للمتوسط. رحلة البحث عن ملاذ آمن، اصطبغت بذكريات أليمة حزينة، فجان دارك التي كانت معززة في أرضها وهي سليلة عائلة وزير سابق تمت الاطاحة بالنظام المنتمي إليه وأدخل السجن.

رحلة الموت أخذت جان دارك وأختيها سنة 2013، عبر وسيط نيجري نسق مع مواطنيه الموجودين في تونس التي من المفترض أن تكون محطة عبور إلى الضفة الشمالية للمتوسط إلى حين انهاء المعاملات. غير أن الوسيط في تونس أغلق هاتفه بعد أن اكترى لهن منزلا وسط العاصمة ودفع اجرته لشهرين فقط تركهن إلى مصيرهن، وانطلقت رحلة جديدة من المعاناة والبحث عن خلاص بعد أن انتهت فترة الاقامة القانونية وأمست الأخوات في وضعية غير قانونية.

تقول جان دارك الفتاة ذات 26 ربيعا، "اضطررت وأختايا إلى العمل كمعينات منزلية في وضعية استعباد تام بعد أن باعنا الوسيط وقبض ثمننا بتونس وصفاقس، وطردت ليلا من منزل مشغلي واغتصبت إرادتنا وحقوقنا حيث تم افتكاك جوازات سفرنا وارتهنا لدى بعض العائلات التي استعبدتنا واشتغلنا لديها دون مقابل بعد أن باعنا لها بعض الوسطاء وقبض الثمن مما حدا بنا إلى البحث عن وسطاء جدد يساعدونا على الهجرة غير النظامية إلى ايطاليا".

وتضيف " محاولاتنا العقيمة، كانت سببا في فرقتنا، فقد تربص الموت في عمق البحر بإحدى أخواتي ونجحت الثانية في الوصول الى سواحل القارة العجوز وظللت أنا أكابد الويل والهروب من وضع مأساوي إلى آخر إلى حين استطعت الاستقرار جزئيا في تونس وتمكنت من الحصول على عمل ومسكن يأويني غير أني ما زلت في وضعية غير قانونية، فتونس لا توفر وضعية اللجوء وحتى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التي طرحت عليها ملفي في طلب اللجوء رفضته".

رحلة جان دارك ليست " حالة شاذة تحفظ فلا يقاس عليها" إنما هي حكاية معاناة يكتمها الملايين من المهجرين قسريا لأسباب قد تختلف بين الصراعات المسلحة والكوارث الطبيعية وغياب العدالة الاجتماعية أو الفقر والقمع السياسي وسوء التصرف وغياب الحكومة والتوزيع العادل للثروات.

وبلغ إجمالي عدد ضحايا الاتجار بالأشخاص الذين أحصتهم الهيئة الوطنية للاتجار بالبشر خلال سنة 2018 ، في تونس، 780 ضحية .

عبر المتوسط .. رحلات الموت وقوارب النجاة

على ظهر سفينة صغيرة، يحسبها راكبوها قارب نجاة وجسرا للأحلام الوردية، تتقاذفهم الأمواج العاتية، فتنحبس الأنفاس خوفا من الغرق وعدم الوصول إلى شواطئ القارة العجوز

              

وسرعان ما خابت الآمال وبلغت القلوب الحناجر، لم يغن المبحرين "خلسة" صياحهم عن الموت شيئا، وعندما غلبتهم أمواج البحر فارقت أرواحهم أجسادهم الهزيلة التي طفت على صفحة الماء. تلك كانت قصة مجموعة من المهاجرين التونسيين وعدد من حاملي جنسيات افريقية غرق مركبهم في وسط البحر الأبيض المتوسط... قصة تحكي قصة آلاف المهاجرين العرب والأفارقة الذين فروا من جحيم الحرب في سوريا والعراق وليبيا، أو جحيم الاستبداد في دول أخرى أو جحيم الفاقة والفقر والبطالة في أغلب البلاد العربية والإفريقية.

ولئن تختلف حكايات المهجرين قسريا والفارين من الفقر والنزاعات والكوارث الطبيعية في القارة السمراء وضحايا شبكات الاتجار بالبشر وتتعدد الأسباب والدوافع الكامنة وراء خوض تجربة فيها ما فيها من المخاطر غير أن معاناتهم واحدة في محاولة الوصول إلى أراض آمنة في البحث عن لقمة خبز قد يدفعون ثمنها حياتهم أو يروحون جراءها ضحايا لشبكات الدعارة و الاتجار بالبشر وتضيع منهم أبسط حقوقهم الأساسية في عيش كريم يحفظ الكرامة البشرية.

فتونس كما غيرها من دول شمال افريقيا كالجارة ليبيا والمغرب ومصر، أمست معبرا ومنطلقا لرحلات الموت والاتجار بالبشر ومرفأ لتصدير المهاجرين غير النظاميين من جنسيات مختلفة. كما صارت مصر "عجلة احتياط" تعمل عصابات تهريب المهاجرين على الاستنجاد بها في حالات تشديد الرقابة على عمليات وقوافل الهجرة غير النظامية من الأراضي الليبية.

وعبر البحر المتوسط، يلجأ الأفارقة والمتضررون من الصراع في الشرق الأوسط إلى أوروبا نحو إيطاليا وإسبانيا بشكل خاص، ومن هناك ينطلقون إلى وجهات جديدة في القارة الأوروبية، مما حدا بدول القارة العجوز إلى وضع مسألة الهجرة والتحكم في تدفقاتها خاصة غير النظامية في أولوية اهتماماتها وأمست توافد ملايين المهاجرين إلى أراضيهم خاصة خلال العشرية الأخيرة يقض مضاجعهم، ومثلت المحور الرئيس لأول قمة عربية أوروبية كانت انعقدت في 24 فيفري 2019 بمدينة شرم الشيخ المصرية.

وقد تحركت كل من إيطاليا وألمانيا وعديد المنظمات الإغاثية عبر البحر الأبيض المتوسط لإرسال عدد من قطعها البحرية إلى سواحل ليبيا “ لدعم خفر السواحل الليبي للتصدي بفعالية أكبر للاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية”.

وشهدت حركة الهجرة عبر المتوسط ، حسب لورينا لاندو رئيسة بعثة المنظمة الدولية للهجرة بتونس، طفرة وقفزة كبيرة بعد الثورات العربية لتتراجع تدريجيا في بعض المناطق وترتفع بأخرى حسب الأوضاع الأمنية والاجتماعية.

وتراجع عدد الواصلين إلى السواحل الإيطالية، حسب الاحصائيات التي مدت بها /وات/ من 181.436 مهاجرا غير نظامي سنة 2016 إلى 119.369 سنة 2017 / في مقدمتهم المهاجرون النيجريون على التوالي ب 37.551 و 18.158 مهاجرا/ و23.370 مهاجرا غير نظامي سنة 2018 ( من بينهم 5244 من الجنسية التونسية / المرتبة الأولى من حيث عدد الواصلين) .

وفي تطور عكسي ارتفع عدد الواصلين إلى السواحل الجنوبية للقارة العجوز، عبر اسبانيا، من 8102 سنة 2016 إلى 22.108 سنة 2017 ف 58.525 سنة 2018.

وقد بلغ السواحل الإيطالية والاسبانية منذ بداية سنة 2019 وحتى يوم 17 فيفري الماضي على التوالي 227 مهاجرا و2763 مهاجرا غير نظامي.

وسجلت في عرض البحر الأبيض المتوسط 311 حالة وفاة منذ بداية سنة 2019، 156 منهم انطلقت رحلة هجرتهم من السواحل الليبية و132 من السواحل المغربية.

وقد سجلت سنتي 2018 و 2017 على التوالي 506 و 803 حالة وفاة في عرض البحر المتوسط، وسجل عدد المفقودين والمتوفين في البحر المتوسط سنة 2016 زيادة ب 36 بالمائة اذ انتقل من 3758 سنة 2015 إلى 5143 سنة 2016 أي بنسبة 60 بالمائة من عدد المهاجرين المفقودين والمتوفين التي سجلها مشروع المنظمة الدولية للمهاجرين المفقودين https://missingmigrants.iom.int/ ، خلال هاتين السنتين. وسجلت بشمال افريقيا خلال 2016، 1400 حالة وفاة لاسيما بسبب قساوة البيئة الطبيعية والعنف والإيذاء وظروف النقل الخطيرة والمرض والجوع.

وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن واحدا من بين كل 37 شخصا يحاولون عبور البحر المتوسط من شمال إفريقيا إلى إيطاليا، لقي حتفه أثناء الرحلة الخطرة خلال العام 2018، وكان المعدل يقدر بشخص واحد من بين كل 56 خلال عام 2017 وشخص من بين 72 عام 2016.

ويقدر عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين عبروا المتوسط منذ السبعينيات بأكثر من 2.5 مليون مهاجر.

الهجرة وأي سبيل للنجاة

عجز المقاربة الأمنية وقصورها في الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية، جعل من المهتمين بملف الهجرة والمهاجرين يدعون إلى حزمة من الإجراءات التنموية لتثبيت المهاجرين في بلدانهم.

وبينت كل من رئيسة بعثة المنظمة الدولية للهجرة بتونس وناجية عن المفوضية الدولية لشؤون اللاجئين أن الحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية يستوجب القضاء على العوامل الحقيقية والمتعددة والمركبة الكامنة وراء ارتفاع نسق سيل الهجرة غير النظامية عبر المنطقة والعلاقة بينهما.

ورأت لورينا لاندو أن الحد من الهجرة غير النظامية محمول على المجهود الجماعي بين دول المصدر ودول الاستقبال وتعزيز التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف بينها وهو ما يمر أساسا عبر توفير فرص عمل للشباب الباحث عن عمل، ودفع التنمية والاستثمار في الدول المصدرة للهجرة غير النظامية من أجل تثبيت الشباب المعطل بها وخاصة حاملي الشهادات الجامعية وتحفيز مشاركتهم في الشأن العام دون خوف أو تهديد فضلا عن تأمين ظروف عمل لائقة يتم في اطارها ضمان التغطية الاجتماعية والصحية لهم والقضاء على المحسوبية وتحقيق مبادئ العدل والمساواة.

ودعت إلى بناء شراكات بين الدول الفقيرة والدول الغنية لإيجاد فرص عمل وتسهيل الهجرات المؤقتة لأغراض العمل وتيسير إجاراءات الهجرة المنظمة

وبين المكلف بالإعلام بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بن عمر، أن مسألة الحد من الهجرة غير النظامية بشكل عام يمر عبر مراجعة المقاربات الاوربية التي استهدفت إغلاق الحدود وإرساء مقاربة تنموية في العلاقات بين الشمال والجنوب والحد من تغذية النزاعات العرقية المسلحة في دول الجنوب فضلا عن احترام الحقوق الإنسانية للمهاجرين.

واقترح المتحدث بالإضافة إلى المقاربة الأمنية التي أمست قاصرة على الحد من هذه الظاهرة والتي لابد أن تركز حسب رأيه على الشبكات التي تنظم عمليات الهجرة غير النظامية، القيام بتشخيص حقيقي للعوامل الدافعة للهجرة وإعادة الأمل للشباب الراغب في خوض التجربة وطمأنته بأن تونس ستخرج من الأزمة التي تمر بها وإعتماد مقاربة تنموية تستهدف الجهات التي تعتبر خزانا للهجرة غير النظامية ( المناطق الداخلية المهمشة والاحياء الكبرى المحيطة بالمدن الكبرى ) من أجل ادماج الشباب في الدورة الاقتصادية، فضلا عن مراجعة العلاقات التونسية الأوروبية التي يجب أن تكون حسب قوله "ودية تراعي الظروف التي تمر بها تونس وتحترم حرية التنقل" وتسهيل إجراءات الحصول على التأشيرة.

 وعموما ومع التشخيص الذي يقدمه المهتمون بظاهرة الهجرة غير النظامية كمشكلة متشعبة، لها أبعاد إنسانية، واقتصادية، واجتماعية، وأمنية ازدادت وتيرتها نتيجة تزايد الصراعات والحروب والاضطرابات في الدول العربية على وجه الخصوص، إلى جانب تفاقم الفقر وارتفاع معدلات البطالة في كثير من الدول النامية، وخاصة دول إفريقيا جنوب الصحراء وبعض الدول الآسيوية، أصبحت ظاهرة هروب وفرار من واقع أليم مليء بالصراعات والخوف، أو من فقر وأحوال اقتصادية سيئة، يدفعهم للمغامرة بحياتهم فوق قوارب تتأرجح بهم فوق أمواج البحر، بينما يدفع كثير منهم عمره وحياته طلبا للوصول لشطوط أوروبا، شطوط النجاة والأمن في نظرهم.

بهج

المزيد

جهات

  25/04/2019 19:19
صفاقس: المنظمة الشغيلة حريصة على القضاء على كل مصادر التلوث (كاتب عام الاتحاد الجهوي...
  25/04/2019 18:42
القيروان: في حركة رمزية حملة "وينو السبيطار" تضع حجر الاساس للمستشفى الجامعي
25/04/2019 18:27
باجة: القبض على 3 أشخاص وحجز عملة مزيفة وأكثر من 3 آلاف قرص مخدر بتستور
  25/04/2019 17:50
المنستير: خبراء تونسيون وأجانب يشاركون في المداولات الـ 27 لطب الأسنان بالمنستير

عالمي

25/04/2019 23:50
إجلاء مهاجرين من العاصمة الليبية ومقاتلو طرابلس يحذرون حفتر
25/04/2019 23:45
الحكومة المغربية توقع اتفاقا مع نقابات عمالية لزيادة الأجور
25/04/2019 23:00
ترامب يقول إنه سيستضيف قريبا الرئيس الصيني في البيت الأبيض

الأكثر قراءة

منوبة: ساحة الفنون تعيد للبطان بريق ماضيها ورونقها الحضاري (307 views)

النشرة الثقافية لوكالات الأنباء العربية

02/03/2019 15:36
النشرة الثقافية للوكالة الوطنية للإعلام (لبنان)
02/02/2019 09:47
النشرة الثقافية لوكالة الأنباء الكويتية
تحديثات تويتر النشرة الإخبارية الاتصال بنا

للحصول على النشرة الإخبارية، الرجاء التسجيل


tel: 71889000
fax: 71883500, 71888999