عاصمة الفاطميين بين المكامن المهدورة ووهم التنمية
09/06/2019 14:28, المهدية/تـــــــــــونـــــــــس

المهدية 09 جوان 2019 (وات)– / جمال رمضان/ – قد يخال زائر ولاية المهدية الساحلية، التي تقع وسط شرق البلاد التونسية، أنه سيلقى من الثروات والنعيم ورخاء المعيشة ما يغبط عليه سكانها البالغ عددهم 433 ألفا، لكنه يصطدم بواقع مختلف.

بين طريقين تؤديان إلى مركز الولاية، إحداهما تمر على السجن المدني والأخرى على "وادي غراف" الذي تحول من منطقة طبيعية تأسر الناظرين إلى مصب عشوائي للفضلات تصاعدت منه الروائح الكريهة والأدخنة السوداء، تتبدد وتذوب أحلام الزائر.

يأخذك الذهول تباعا عندما تقارن بين ما تمتلكه هذه الولاية من مكامن سياحية وفلاحية وحضارية وثقافية واقتصادية، وبين عمق ريفي يمتد على مسافة 140 كلم، لا تجد فيه ملامح لاقتصاد تنموي قد يوفر مواطن شغل ويمكن من تحقيق الثروة.

مكامن استثمار هامة

تتوفر ولاية المهدية على شريط ساحلي يمتد على مسافة 75 كلم و4 مرافئ للصيد البحري ونحو 6000 مركب صيد تشغل أكثر من 8600 بحار علاوة على توفير 15 بالمائة من الإنتاج البحري الوطني (121 ألف طن سنة 2018) و10 بالمائة من الزيتون و8 بالمائة من اللحوم البيضاء، وفق تقرير أصدرته الإدارة الجهوية للتنمية، مؤخرا.

وتضم الولاية، أيضا، 25 وحدة سياحية تشتمل على 10638 سريرا إلى جانب 5 مراكز للعلاج بالمياه مع معالم ومواقع أثرية لا يمكن حصرها تمتد من القصر الأثري الروماني بالجم إلى البرج العثماني بالمهدية مرورا ببرج خديجة بالشابة وواحة عرب العيون بأولاد الشامخ وسلقطة وغيرها من المناطق.

ومن الجانب الصناعي تحتضن الولاية 5 مناطق صناعية ( المهدية وطريق بومرداس والسواسي والجم وقصور الساف) و137 مؤسسة تشغل حوالي 13198 شخص، إلى جانب مخزون وفير من الصناعات التقليدية تجمع بين الفسيفساء والفضة والزربية واللباس التقلدي والحرير، يشغل 11 ألف حرفي وحرفية.

وتتمتع الجهة بستة مؤسسات للتعليم العالي و5 مراكز للتكوين المهني علاوة على حقل بترولي في طور الاستغلال بمنطقة السواسي ومواد إنشائية هامة كالطين والرمل، بالإضافة إلى المنظومة الأولى للألبان بطريقة خارج الضيعة مع مكمن هام لتربية الأحياء المائية انطلق بتربية القنبري ووحدة لتجميع حليب النوق والمشروع السياحي المندمج "سبخة بن غياضة" البالغ كلفته 37 مليون دينار.

واقع تنموي يواجه مجموعة من المشاكل والعراقيل

رغم كل ما تقدم من مكامن تنموية قادرة على إحداث نقلة هامة لمستوى المعيشة في ولاية المهدية إذا ما تم استغلالها وتثمنيها بالطرق السليمة، فإن هذه الجهة احتلت المرتبة 21 من حيث مؤشر الجاذبية الجهوية بحسب دراسة للمعهد العربي لرؤساء المؤسسات لسنة 2018 وذلك بعدما حازت على المرتبة 15 وفق نفس المؤشر لسنة 2015.

ورغم التحسن الطفيف في نسبة البطالة، التي مرت من 07ر12 بالمائة سنة 2014 إلى 1ر11 بالمائة سنة 2018 (بيانات المعهد الوطني للإحصاء)، فإن الإقتصاد بالجهة يبقى ضعيفا وغير متوازن ولا يثمن الموقع الجغرافي والامكانات الخصوصية للجهة، وفق توصيف تقرير المندوبية الجهوية للتنمية.

ويكشف التقرير ضعفا في البنية الأساسية، في 11 معتمدية و18 بلدية تضمها الجهة، إلى جانب غياب المشاريع المهيكلة ومجال ترابي غير مندمج بتواجد ثلاثة مناطق (ساحلية ووسطى وداخلية) خلق تفاوتا تنمويا.

وتعاني المهدية من عزلة لمعتمدياتها وتشتت سكاني يبلغ 54 بالمائة في المناطق الريفية علاوة على غياب المرافق والخدمات العمومية في عدد من المناطق على غرار معتمدية ملولش التي لا تتوفر على فروع للبنوك وصندوق الضمان الاجتماعي بل حتى على معتمد يدير شؤونها.

45 ألف امرأة ريفية تقطن الجهة يعانين قلة الموارد وانسداد آفافق التشغيل إذ تنشط 30 ألف منهن في المجال الفلاحي و4 آلاف في الصناعات التقليدية و11 ألفا في مجال التجارة والخدمات.

وزاد التشعب العقاري من الحد من التطور العمراني والاستثمار وحال دون دخول العديد من العقارات في الدورة الاقتصادية، بالإضافة إلى محدودية الموارد المائية واضطراب توزيع مياه الشرب طيلة السنة إلى جانب ارتفاع مديونية المجامع المائية التي يصل عددها إلى 32 مجمع.

البيئة والصيد البحري في قمة القطاعات التي تعاني عراقيل

لا تقتصر مشاكل الولاية فقط على ما تقدم بل يشمل، أيضا، وضعا بيئيا شائكا إذ لا تتوفر الجهة على مصب مراقب للفضلات أو وحدة لمعالجتها مع قصور في عمل البلديات لضعف إمكانياتها المادية والبشرية وغياب أهم التجهيزات والآليات (للمتابعة روبرتاج أصدرته وكالة تونس إفريقيا للأنباء بتاريخ 30 أفريل 2019 يحمل عنوان: بعد سنة من الانتخابات..أغلب بلديات المهدية تشكو قلة الموارد المالية والبشرية والتجهيزات).

وتلوح بين الفينة والأخرى مشاكل أخرى تتعلق بالجانب البيئي أهمها تردي وضع قنوات الصرف الصحي واختلاط المياه المستعملة في المنازل بمثليتها الصناعية وسكبها ببحر مدينة رجيش مما زاد في تصحر شواطئها ونغص الحياة على سكانها وذهب بمورد رزق نحو 400 من صغار البحارة الناشطين بالصيد الساحلي.

ورفع مشروع لإقامة محطة تطهير جديدة تجمع مياه الصرف الصحي بكل من المهدية وقصور الساف ورجيش ويسكب في بحر هذه الأخيرة، من وتيرة غضب أهالي رجيش الذين تابعوا الاحتجاجات منذ فيفري 2019 إلى حد اليوم للوقوف دون انجاز المحطة التي من شأنها "أن تحول المنطقة من نقطة جذب اقتصادي وسياحي إلى عامل معرقل للتنمية"، وفق تقدير المحتجين.

ورغم ما أغدقه الله من نعم على هذه الجهة من ثروات سمكية متنوعة فإن قطاع الصيد البحري يعاني عدة عراقيل أبرزها ارتفاع وتيرة الصيد العشوائي واستنزاف الإنتاج البحري من خلال مراكب الصيد بالكيس وغياب القدرة على تطويق المشكل.

ويعمل مشكل غياب التغطية الاجتماعية للبحارة على تردي أوضاعهم المعيشية خاصة مع تكرر الحوادث وسط البحر لعل أشدها وقعا على أهالي الجهة تلك التي ذهبت بأرواح 14 بحارا كانوا على متن مركب "البركة" حين انقلب بسبب عاصفة خلال شهر ديسمبر من سنة 2016.

ولا يزال مشكل "بتة الصيد بالشرافي" يؤرق عددا هاما من البحارة، المنضوين تحت راية الاتحاد العام التونسي للشغل، في معتمدية الشابة بسبب اعتراضهم على إطلاقها دون التقيد بالقوانين التي تتعلق برفع الشرافي القديمة وتوسع متسوغي الشرافي وعدهم 34 متسوغ، وتجاوزهم للمساحات المسندة لهم.

وكان بحارة الصيد الساحلي بالشابة وملولش، المنتمين إلى الاتحاد العام التونسي للشغل، قد خاضوا أكثر من 27 احتجاجا منذ بداية سنة 2018 للمطالبة بمكافحة الصيد العشوائي وتنظيم ومراقبة الصيد بالشرافي.

وأقدم هؤلاء البحارة، وعددهم 450، مطلع فيفري 2018، على تنظيم رحلة هجرة جماعية انطلاقا من ميناء الشابة احتجاجا على ما اعتبروه تهميشا من قبل سلطة الإشراف لمطالبهم وللقطاع عموما.

ويشكو فلاحو الجهة، بدورهم، من ارتفاع أسعار العلف وتوزيعها غير العادل، إلى جانب غياب التشجيعات وارتفاع منسوب التهريب مع ازدياد المديونية لفائدة البنوك مما نفر المستثمرين المحليين من إحداث مشاريع في هذا القطاع.

غياب الحلول والتخطيط والمناهج التنموية وعدم استغلال الثروات والمميزات والخصائص التي تزخر بها ولاية المهدية جعل من شريطها الساحلي منطلقا لمغامرات تقوم بها عشرات المراكب في محاولة للوصول إلى الضفة الشمالية للمتوسط، في رحلات موت باتت تستقطب النساء والأطفال والرضع وحتى الأجنة في أرحام أمهاتهم.

المزيد

إستفتاء أفضل الرياضيين لسنة 2019

صوت لأفضل الرياضيين التونسيين لسنة 2019
تصويت

جهات

12/12/2019 13:44
بنزرت: حجز 150 علبة حليب بمستودع عشوائي بنية الاحتكار بمدينة العالية
  12/12/2019 13:37
منوبة: تشخيص الاشكاليات والصعوبات التى تعيق العملية التربوية
  12/12/2019 13:26
أريانة : وقفات احتجاجية للبريديين وأساتذة التربية البدنية باريانة على خلفية مطالب مهنية...
  12/12/2019 13:01
قبلي: توقيع اتفاقية شراكة بين المعهد العالي للدراسات التكنولوجية ومنظمة ليبيا للزراعة...

عالمي

12/12/2019 13:59
روسيا تطرد دبلوماسيين ألمانيين في خطوة ثأرية
  12/12/2019 13:07
ليبيا: إطلاق "برنامج تطوير الخدمات المحلية وترسيخ المساءلة على المستوى المحلّي"
12/12/2019 13:04
مصدر: تركيا ترسل اتفاق الحدود البحرية مع ليبيا للأمم المتحدة لإقراره

الأكثر قراءة

من مجال التصرف الى مجال الاستثمار في تربية وتثمين الطحالب المجهرية: قصة نجاح شاب آمن بأن المرء إذا أراد استطاع (672 views)
الشاعرة سعاد الشايب وتجربة المقهى الثقافي: سير على أشواك الأعراف والتقاليد وكسر للصورة النمطية للمرأة في قبلي (533 views)
جمعية حماية واحات جمنة: "نجاح تجربتنا دليل على امكانية بناء منوال تنموي جديد يقوم على اساس الاقتصاد الاجتماعي والتضامني" (453 views)

النشرة الثقافية لوكالات الأنباء العربية

  28/09/2019 10:00
النشرة الثقافية لوكالة الأنباء العمانية
  27/07/2019 14:18
النشرة الثقافية لوكالة أنباء البحرين
تحديثات تويتر النشرة الإخبارية الاتصال بنا

للحصول على النشرة الإخبارية، الرجاء التسجيل


tel: 71889000
fax: 71883500, 71888999