في اليوم العالمي للمرأة: راضية النصراوي ... قيم إنسانية جاوزت حدود الإيديولوجيا وحواجز الفكر
07/03/2020 12:11, تونس/تـــــــــــونـــــــــس

تونس 7 مارس (تحرير وداد المدفعي ـ وات) ـ استجمعت قواها من صمود سنين النضال التي خلت، رغم وهن جسد نال منه مرض الغدة الدرقية وآثار التعذيب التي لم ولن تمّحي... تقدمت "محامية الإنسانية" راضية النصراوي بخطى بطيئة متعثرة لتروي فصولا من سيرة تمازج فيها النضال السياسي بالحقوقي بالاجتماعي... فرسمت بين سطور التاريخ الوطني "وصفة متفردة" من قيم إنسانية جاوزت حدود الإيديولوجيا وقفزت على حواجز الفكر.

جلست راضية لا تملك القدرة على النطق جيدا لكن الذاكرة متحفزة، تلتقط في نباهة شديدة كل تفاصيل مسيرة حياتها. اشتبكت أصابع إحدى يديها بيد رفيق دربها حمة الهمامي، تسنتد إليه ليعينها على رواية فصول من الحب والنضال والعذاب. لم يفقد الحب بين راضية وحمة توهجه رغم مرور 39 عاما على لقائهما.

حب غير عادي

كان التعارف بين راضية وحمة في رحاب الجامعة. فراضية كانت تدرس بكلية الحقوق وحمة بكلية الآداب وأغلب اللقاءات حصلت خلال الاجتماعات العامة بالمركب الجامعي المنار. أعجبت راضية بحمة وكانت عندما تصادفه تهمس لأصدقائها " انظروا هذا الطفل ما أحلاه (شوفوا ها الطفل ما أحلاه)" قالت إن "القالة" (حرف القاف فوقه ثلاث نقاط) التي ينطق بها وخجله الشديد يستهويانها جدا".

تناهى اسم راضية إلى مسامع حمة حين كان يقضي عقوبة بالسجن. وصفوها هناك بأنها المرأة التي "أطاحت بهيبة أمن الدولة في محاكمة الوحدة الشعبية وهي المحامية المبتدئة وغير المرسمة ". ذكر حمة ان النيابة العمومية مررت ورقة للقاضي محمد صالح العياري ليقضي بسجنها لكنه مزق الورقة قائلا "هي فرشيشية حرة (نسبة إلى قبيلة الفراشيش بالقصرين) وامرأة بألف رجل ونحن في حاجة الى نساء مثلها".

ولدت راضية 21 نوفمبر 1953 بتالة من ولاية القصرين ودرست الحقوق لتصبح محامية. كانت محاكمة حركة الوحدة الشعبية في سبعينات القرن الماضي فصلا حاسما في تاريخها النضالي إذ برزت كمحامية وحقوقية وأيضا كصحفية عملت طيلة سنتين بوكالة تونس افريقيا للأنباء. استماتت راضية في الدفاع على اكثر من ثلاثين من مناضلي حركة الوحدة الشعبية وتحدت في مرافعاتها محكمة أمن الدولة وطعنت في دستوريتها. وتم تداول اسمها لتلقب باللبؤة التي تصدت برقة صوتها وسهام كلماتها اللاذعة التي كانت جدار صد ضد محكمة امن الدولة التي طعنت في دستوريتها.

ونالت راضية إثر هذه المحاكمة الشهيرة لقب "اللبؤة". أسر حمة أنها رسخت في وجدانه وذاكرته وظل يتمنى بينه وبين نفسه أن تكون شريكة حياته. عند استكمال قضائه عقوبة السجن (من سنة 1973 الى 1980) توجه فور خروجه الى مكتب راضية ليشكرها وباقي المحامين الذين دافعوا عنه وعن زملائه.

تبادلا الإعجاب لكن حمة ظل يردد دوما "هل ستقبل بي فأنا عاطل لا عمل لي وهي محامية؟" إلى حين جمعهما لقاء بفرنسا خلال علاجه ويولد بينهما حب أبى الإفصاح. قال حمة "يوم 24 جانفي1981 ذهبت إلى مكتبها ولم أجد القدرة على التعبير بما يخالجني فأدركت ما بي وقالت لي إني أحبك يا حمة فانفجرت صارخا وأنا أيضا أحبك وطلبتها للزواج".

يومها والرواية لحمة، سقط الثلج بالعاصمة خرج الاثنان الى شارع الحبيب بورقيبة كانت راضية تلهو بالثلج وتقفز كطفلة صغيرة. يتابع حمة القول "في 29 اوت 1981 أقمنا مراسم زواج بسيط وكانت صديقتها حفيظة شقير من الشاهدات على القران".

تردد راضية دائما "عشت متحررة وزواجي بحمه زاد من تحرري ولم يكن حجرة عثرة قبة امام نضالي خلال فترة الرئيس الراحل زين العابدين بن علي". نجحت في إيجاد التوازن بين واجباتها كأم ملتزمة بتربية بناتها لاسيما أنها العائل الوحيد للأسرة طيلة سنوات الجمر التي افناها زوجها ناشطا في العمل السري وقابعا بالسجن داعمة لمشروعه السياسي ومستميتة في الدفاع عن الرمز اليساري دون ان تتذمر من ثقل حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، ومن مضايقات وملاحقات البوليس السياسي الملازم لها كظلها.

يتذكر حمة حين كانت تزوره في الزنزانة فيقول "كانت تشاهد آثار العنف على جسدي وكنت أطأطئ رأسي خجلا فكانت تصرخ في وجهي: إن كنت ترغب في أن أواصل الوقوف إلى جانبك ارفع رأسك". لم تشعر راضية حمة أنه عاطل وهي تشتغل كثيرا ما كانت تهمس له " ما يحسب لبن علي أنه تركني مشتتة وراءك ما بين سجن وسرية... لو كنت رجلا عاديا لم أكن لأحبك كل هذا الحب".

امتلكتت راضية مقدرة فائقة على الإفلات من متابعة أعوان الأمن اللصيقة لها إلى درجة أنها صدمت الجميع حين أنجبت بنتها الاخيرة من حمة سنة 1999 في السرية.

الحق لا إيدولوجيا له

دفعت راضية النصراوي ضريبة باهظة لنضالها ضد نظام كانت من ابرز معارضيه وعجز على اخضاعها، رغم تفننه في تعذيبها والاعتداء عليها جسديا وفي ملاحقتها وتجويعها بحرق مكتبها عديد المرات. خاضت عديد اضرابات الجوع وتصدرت الصف الاول في جل المسيرات المناهضة للنظام وشهرت بممارساته القمعية وعرت بوجه مكشوف من خلال ترؤسها المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب منذ سنة 2003 وحشية نظام القمع والاستبداد لتكن مرهبة السلطة بامتياز... فلازمت ضحايا التعذيب وسجناء الرأي حاملة همومهم ومضمدة لجراحهم.

يقول صديقها الأقرب إليها عبد الرحمان كريم باكيا وضعها الصحي "خاضت راضية بقامتها القصيرة وجسدها الهزيل عديد المعارك في القضايا السياسية وقضايا الحقوق والحريات بعد رباط دائم بمكتبها الذي كان يعج بضعاف الحال وبالمحكمة التي افنت فيها عمرا، وخلافا لغيرها من المحامين ممن تحرجوا في الدفاع على المضطهدين والمتهمين في قضايا الحق العام والقضايا الادارية المرفوعة ضد الدولة والرئاسة، كانت دوما سباقة ومتطوعة دائمة ووفية لإعلاء صوت الحق. كانت كلما تصفحت ملف احد المتهمين من طلبة او نقابيين او سياسيين بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية تتجدد معها نعرة الدفاع والحماسة متحدية بعض القضاة ممن عرفوا بالصرامة لتجدها في الخطوط الامامية للدفاع وبقوة حتى عن الاسلاميين خلافا لتوجهاتها اليسارية".

آمنت راضية بدور الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان وكانت ملاذها للقاء الشباب الطالبي وضعاف الحال ممن اختاروا الالتجاء اليها من اجل ارشادهم فكانت واضعة اللبنات الاولى لبناء المعارضة الايجابية لكل الظواهر السلبية داخل المجتمع وأحدثت رجة حقيقة صلبه بنقدها الدائم واللاذع للسلطة.

وهبها المجتمع الحقوقي جل صداقاتها وكانت الحقوقية حفيظة شقير توأم روحها "كنا نلقب بكليلة ودمنة"، هكذا اختصرت حفيظة طبيعة علاقتها بصديقتها راضية، "فهي الاقرب الى قلبي جمعتنا الحركة الطلابية داخل اسوار الجامعة وحلقات النقاش على الوضع العام والمظاهرات، ليوحدنا التوجه الحقوقي والحركة النسوية بالنادي الثقافي الطاهر الحداد فور التخرج، ولم يمنعها تغيبها عن الجمعية التونسية للنساء الديموقراطيات من فضح الانتهاكات المسلطة على المرأة والنضال من اجل افتكاك حقوقها".

مسيرة راضية الحقوقية كانت زاخرة بالانجازات فحصدت عدة تكريمات. هي أول امرأة يتم انتخابها في الهيئة الوطنية للمحامين وانتخبت بتاريخ 23 اكتوبر 2014 عضوا خبيرا في لجنة الامم المتحدة لمناهضة التعذيب وتحصلت على جائزة أولف بالم لحقوق الانسان سنة 2013. كما اختيرت ضمن اللائحة القصيرة للمرشحين لنيل جائزة نوبل للسلام سنة 2011

اختارت بعد الإطاحة بنظام بن علي أن تبتعد عن "الأضواء" متجردة من أي طموح سياسي خفت صوتها الذي كان مدويا في جنبات المحاكم بفعل مرض الغدة الدرقية لكن عزيمتها التي هزت عرش الديكتاتورية لم تفتر...

مود

المزيد

جهات

27/05/2020 17:22
سيدي بوزيد: الفرع الجهوي للمحامين يحذّر من تواصل عدم التعاطي بجدية مع قضايا الشباب (بيان)
  27/05/2020 17:00
بنزرت: ضبط إجراءات انجاز المشروع النموذجي لبعث وكالات للتصرف البلدي بالجهة
  27/05/2020 16:35
المنستير: انطلاق حملة تحسيسية لتسجيل تلاميذ المرحلة الابتدائية عن بعد 
  27/05/2020 16:33
المنستير: تسجيل 267 حالة شفاء تام بالمركز الوطني لحاملي "الكوفيد 19" (المدير الجهوي للصحة)

عالمي

27/05/2020 17:22
إيطاليا تسجل 117 حالة وفاة و 584 إصابة جديدة بفيروس كورونا
27/05/2020 17:16
حكومة الوفاق الليبية تمدد حظر التجول عشرة أيام إضافية لمواجهة "كوفيد-19"
27/05/2020 16:59
منظمة الصحة العالمية تعلن إنشاء مؤسسة للبحث عن مصادر تمويل جديدة

الأكثر قراءة

انجاز 27 مهمة رقابية شملت هياكل عمومية وبروز اخلالات جسيمة في وكالة التبغ والوقيد (وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية) (2294 views)
برنامج كراء العقارات الدولية الفلاحية للعاطلين عن العمل لم يحقق المطلوب وسيقع إعادة تقييمه (وزير أملاك الدولة ) (1573 views)
حان الوقت بان تكون وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية حلقة محورية في الشأن الاقتصادي للبلاد (غازي الشواشي) (958 views)

النشرة الثقافية لوكالات الأنباء العربية

  28/09/2019 10:00
النشرة الثقافية لوكالة الأنباء العمانية
  27/07/2019 14:18
النشرة الثقافية لوكالة أنباء البحرين
تحديثات تويتر النشرة الإخبارية الاتصال بنا

للحصول على النشرة الإخبارية، الرجاء التسجيل


tel: 71889000
fax: 71883500, 71888999