جربة : عادات في رمضان لم يستطع الزمن محوها وتمكنت "الكورونا" هذه السنة من تغييبها
03/05/2020 13:35, مدنين/تـــــــــــونـــــــــس

مدنين 3 ماي 2020 (وات) /روضة بوطار/- شهر رمضان زمن "الكورونا" في جزيرة جربة، هذه السنة عاد بنسخة مختلفة عن باقي السنوات، فقد غابت عنه عادات اقترنت به دوما، وخاصة لدى العائلات الجربية ذات الاصول الامازيغية، من ذلك الاحتفال بالصوم الاول لليافعين من ابنائها، وإحياء عادة "الدولة"، بضم "الدال"، وبذلك غاب هذا العام موروث اصيل من التقاليد لم يتمكن الزمن من محوه على مر الاجيال، في حين استطاع فيروس "كورونا" بسرعة تضاهي سرعة انتشاره ان يغيبه، ما افقد هذا الشهر رونقه، ونزع عن الجزيرة تفردها، وحرم اهلها لذة إحياء عادات موغلة في المحلية لا يفهم كنهها الا من كان جربيا خالصا.

تسنيم هي فتاة بلغت 13 سنة، وهو السن الذي تنطلق عند بلوغه اي فتاة بجزيرة جربة في أداء فريضة الصوم، فتقام لها الاحتفالات العائلية التي تسبق في الغالب حلول شهر رمضان بايام، وتقام الولائم التي تضاهي لدى بعض العائلات مناسبات الزفاف التي تنحر فيها الذبائح وتعد فيها الاكلات، وخاصة طبق البسيسة الذي يزين بالبيض والحلوى، وتكون الفتاة الصائمة لأول مرة بمثابة عروس يتم تزينها بالحناء وترتدي، بهذه المناسبة، اللباس التقليدي للجزيرة.

كانت تسنيم تنتظر ان تعيش فرحة صيامها الاول مثلما استمتع به شقيقها منذ سنوات في اول صوم له في عمر 14 سنة، وهو السن القانوني في عادات الجزيرة لصوم الذكور، وكانت تتوق إلى أن تقام لها كل اشكال الاحتفال، لكنها حرمت من كل ذلك هذه السنة، فصامت بصمت، وفقدت متعة خوض هذه التجربة الاولى في الصيام بكل بهرجها.

دعت تسنيم عائلتها إلى تنظيم احتفال لها على غرار الاحتفال الذي حظي به شقيقها، والذي حضره كل الاقارب، واقيمت فيه حفلة غنائية لا تزال عالقة في ذهن تسنيم، وخاصة الهدايا التي تلقاها والمبالغ المالية التي جمعها، فهذه الفتاة، ببراءة الاطفال، لم تكترث لخطر فيروس "كورونا" واعتقدت ان قدوم مدعوين من اقاربها لمشاركتها فرحة اول صوم لها لن يشكل خطرا عليهم، فكلهم لا يحملون ذلك الفيروس الخطير، وفق قولها.

اقتنعت تسنيم بصعوبة بأن لا مجال لاي احتفال او تجمع في مثل هذه الظرفية التي يهدد فيها الفيروس الجميع بعدوى الاصابة، وبأنه من الضروري الالتزام بشروط التباعد الاجتماعي، وقبلت عن مضض هذا الامر الواقع، واعتبرت نفسها "غير محظوظة".

وللاشارة، فإن الاحتفال بالصوم الاول لليافعين هي عادة تلاحق اغلب ابناء العائلات الجربية وخاصة الامازيعية الاصل منها باجيم وقلالة، حتى في الخارج، فكثير من المقيمين في فرنسا يحيون هذه العادة لابنائهم هناك، او قبل اشهر، عند عودتهم الى بلادهم في الصائفة، والبعض يبالغ في هذه الاحتفالات، على قاعدة "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون" .

أما داخل الجزيرة فطريقة الاحتفال تحمل في طياتها عدة معاني ودلالات، فهي، إلى جانب بعدها الرمزي في تشجيع الطفل على الصوم من خلال ما يمنح له من هدايا وعبر الزامه اخلاقيا بالصوم، فهي تعلن عن قرب بلوغ سن الزواج للفتاة، وعن نضج الذكر وبداية تحميله المسؤولية.

ويواصل الصائم الجديد تجربته الاولى طيلة شهر رمضان بطريقة مختلفة ومتفردة، فهو يدعى كل ليلة إلى الافطار عند أحد اقاربه أوجيرانه، وعند المغادرة يعود الى منزله حاملا بين يديه هدية تتمثل عادة في مبلغ مالي ما يمكنه من جمع رصيد مهم يصرف جزءا منه في اقتناء ما يشتهيه يوم "العرفة " وهو اليوم الذي يسبق يوم عيد الفطر، وفيه يخرج الاطفال مرتدين ثيابهم الجديدة، ويمرحون ويقتنون اللعب وهي ايضا عادة لا تعرف خارج الجزيرة.

وفي شهر رمضان بجربة عادة أخرى تسمى "الدولة"، وهي عادة غيبتها أيضا "الكورونا" فتركت فراغا لدى عديد العائلات التي تعودت أن تجتمع في ليلة محددة تنطلق من الليلة الثانية في شهر رمضان لتختتم ليلة 27 من الشهر، وتعرف كل عائلة بليلتها المحددة في احياء هذه العادة، لذلك تسمى "دولة" وهي كلمة امازيغية تعني "اللمة" وهي ايضا تحمل معنى التداول فلكل عائلة دورها في احياء العادة ولم شمل كل الاقارب .

وتجتمع العائلات في الدولة على طبق رئيسي يتقاسمونه بينهم يسمى اكلة "المعقود" المستخرج من الزبيب والذي يقع اعداده منذ الصباح حيث يهرس الزبيب ثم يخلط بالماء ويبقى لوقت معين ثم يصفى ويطهى لساعات على نار ضعيفة فتكون كالمرق العاقد الذي يميل لونه إلى البني الغامق، وطعمه إلى الحلاوة والملوحة، ويسكب عند الافطار على العصيدة قبل تقديمها للضيوف.

ويعتبر إعداد أكلة المعقود مهمة صعبة وشاقة فهو يستغرق وقتا وتفرغا اصبح لا يتلاءم مع الصائم في شهر رمضان في الوقت الحاضر، لذلك تخلت اغلب العائلات عن هذا الطبق، وحافظت، في المقابل، على لم شمل اقاربها في ليلة "الدولة" دون اعداد المعقود، في مقابل اعداد اكلات اخرى متنوعة .

تزامن شهر رمضان هذا العام مع اوج الحرب على فيروس "كورونا" فرض سلوكيات جديدة، وغابت بجزيرة جربة، المصنفة بؤرة وبائية لهذا الفيروس، كل اشكال الاحتفال بعادات ضاربة في عمق التاريخ، كما غابت حتى لمسات الحياة العصرية التي كانت تطبع هذا الشهر الفضيل.

المزيد

الأكثر قراءة

وزارة الصحة : 66 حالة وفاة و 1271 إصابة جديدة بفيروس كورونا (457 views)
وزير الصحة: تونس وجهت طلبات للحصول على 5 ملايين جرعة من لقاح كورونا (330 views)
في نقاش ميزانية رئاسة الجمهورية... تقييم لعمل قيس سعيد واستغراب من الترفيع من ميزانية الرئاسة (242 views)

النشرة الثقافية لوكالات الأنباء العربية

تحديثات تويتر النشرة الإخبارية الاتصال بنا

للحصول على النشرة الإخبارية، الرجاء التسجيل


tel: 71889000
fax: 71883500, 71888999