مهرجان سيدي علي الحطاب...إحياء للعادة الحطابية واستحضار لموروث صوفي ضارب في القدم
19/05/2017 11:37, تونس/تـــــــــــونـــــــــس

منوبة 19 ماي 2017 (وات / تحرير نعيمة عويشاوي) - "الحطَاب زين اللّثام، من أجاود الخيام، الحطاب من فضل ربي، شوفو فضلو يا كرام..." بهذه الأناشيد يرتفع صوت منشد بالصدر لتدوي أصوات المنشدين بعده بالعجز، وتتمدد أصواتهم في صخب وعلوَ تقشعر له أجساد المئات من مريدي الولي الصالح سيدي علي الحطاب الذين يتيهون في حرمه في جو روحي صوفي تعمه الأناشيد وأصوات قرع الطبول ودقات الدفوف وتمايل أجساد أبناء العادة الحطابية على هامش خرجة سيدي علي الحطاب والعمل الحطابي في اختتام الدورة 41 من مهرجانه السنوي مساء الخميس 18 ماي 2017 .

بين الحطابية والعيساوية

على وقع الأناشيد الصاخبة والأدعية والأذكار، وفي تنوع موسيقي وإيقاعي، تمتزج العادة الحطابية بالطريقة العيساوية من حيث إضاءة الشموع وإطلاق البخور بالمبخرة وإضرام النار التي يتلاعب بلهيبها أبناء العيساوية من الشباب وخاصة أثناء ممارستهم للتخميرة أو ما اصطلح عليه بـ "الخمارة" مرددين الأذكار مع  نغمات الموسيقى الصوفية وإيقاعاتها، مسافرين بأذهانهم بعيدا، في مناجاة للخالق حدَ الإغماء أحيانا. وفي مشاهد تحبس الأنفاس سرعان ما تشب في بعض الحاضرين الذين يدخلون بدورهم في نوبات رقص صوفي ترتفع وتيرتها لتنتهي بإغماء خفيف سرعان ما يستفيقون منه باستعادة وعيهم .

وبحركات مرتبطة بالطريقة العيساوية، امتزج فيها لهيب النيران المشتعلة بطعم نبات التين الشوكي وقزقزة الأسنان للشوك دون خوف، والدوس عليه دون إحساس بالألم، ومع مغيب الشمس ينطلق عرض "عكاشة" وتحدي قطع السلالس التي يربطون بها أحد أبناء العادة الحطابية، ليقطعها على أنغام الأذكار على غرار "في حبكم يا أسيادي، ما ترغبوا المولى علي، شيلوني يا أهل الدرابل، وتقربوني إلى الله، بيدي قطعت السلاسل، وثقت بكم إلى الله.

وفي جو احتفالي ممزوج أيضا بقرقعات "الشقاشق" (تلك الصفائح المعدنية)، وقرع الطبول ورقصات السطمبالي التي تضفي بدورها جوا روحيا صوفيا تنعتق فيه أرواح الحضور مع مقاماته وإيقاعاته الصارخة التي تضفي على المقام جوا فنيا خارجا عن المألوف.

العادة الحطابية

وفيما يجد زوار المهرجان في هذا المزيج من العادات والطرق الصوفية حدثا فنيا وثقافيا يستمتعون فيه بالأذكار والفن الصوفي، يجد القائمون على المقام وأبناء العادة الحطابية مناسبة للتمسك بعادتهم التي توارثتها أجيال وأجيال، وحافظت عليها واستماتت في إحيائها وتوريثها.

وتحدث شيخ المقام منذر فارح عن هذه المناسبة لمراسلة (وات) بالجهة، مبينا أن نهاية مدة 36 أسبوعا تكون خاتمتها آخر خميس في شهر ماي من كل سنة وهي تاريخ العمل الحطابي والخرجة ليكون أول خميس في شهر جوان الملتقى في مقام سيدي بلحسن الشاذلي.

وأشار إلى أن المقام بفضائه الأثري التاريخي يحتضنهم كل خميس حيث يحطون الرحال به بعيدا عن صخب العاصمة، وهناك يرددون رفقة أبنائهم من الأطفال والشباب أناشيد وأذكار العادة الحطابية بأصوات صادحة وأيادي مرفوعة إلى السماء تنشد الرحمة والمغفرة وراحة  البال وصلاح الحال وطمأنينة القلب وسعادة النفس وانشراح الصدر.

الشاب أنيس الحسني تحدث عن الرباط النفسي القوي مع الولي سيدي علي الحطاب الشيبي والعاطفة القوية التي انتقلت عبر الأجيال وحافظ عليها الاجداد تباعا ولقَنوها للأبناء بطقوسها وأناشيدها، ليجدوا فيها السبيل للمتعة والراحة النفسية والطريق لسلام روحي بعيد عن ضغوط الحياة اليومية ومشاقها.

وفي حديثه عن تاريخ هذه العادة، بيّن أن عددا من أبناء العاصمة، ومنهم جده العروسي الحسني، قد فروا من الألمان نحو الأحواز الريفية، وبوصولهم منطقة المرناقية عثرا على زاوية اختبؤوا فيها لأيام بعيدا عن أعين الجيش الالماني وأمام القيمة الاعتبارية لهذه الزاوية التي كانت منقذهم الوحيد أصبحت قبلتهم كل سنة، حيث يقومون بتمضية 36 أسبوعا بها ويختتمون تلك الإقامة ب"الزردة" التي يتبركون فيها بمناقب سيدي علي الحطاب ويؤدون فيها العادة الحطابية ويؤدون "الخرجة" التي ترتفع فيها الأعلام ويعج البخور عنان السماء، وتصدح الأصوات بالأناشيد.

وبين أن جده وبقية الفارين من العاصمة أطلقت أسماؤهم على الغرف التي تواجدت بمدخل المقام، والمميزة بطابعها الأثري العتيق، وظلت صورهم معلقة على أبوابها طوال سنوات، حيث توضع كل دورة من دورات المهرجان على ذمة عائلاتهم وأبنائهم الذين يحيون العادة ويحافظون عليها بإشراف شيخ المقام والقائم على شؤونه، والذي يعين بتكليف من شيخ زاوية سيدي بلحسن الشاذلي .

وبالتجول بين الغرف المطلة على ساحة مدخل المقام ذات الطابع المعماري المغربي، تطالعك صور ووثائق تروي تاريخ المشائخ والأسماء التي حافظت على عهد "قطب الأقطاب وصاحب الفخر المعلى حسب أناشيد العادة الحطابية التي يرددها مريدوه في المقام"، وامتزجت أرواحهم بعاداته الروحانية، ليروي كل صاحب غرفة عن تاريخ أجداده بمقام سيدي علي الحطاب، الذي أجمعت مختلف المصادر أنه توفي عام 671 هجري ودفن بشاذلة في المكان نفسه الذي توجد به زاويته حاليا.

ث/ ن ع

Loading the player...
المزيد

جهات

  17/10/2017 14:50
تحرير 650 مخالفة اقتصادية بولاية زغوان خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة الجارية
  17/10/2017 14:32
تواصل معاناة متساكني منطقة صاحب الجبل بنابل بسبب التلوث البيئي الصادر عن مصنع المصبرات...
  17/10/2017 13:04
مستثمر نمساوي يعرب عن رغبته في بعث مصنع للأدوات البلاستيكية في صفاقس
  17/10/2017 12:48
بعث مرصد جهوي للتمور ووضع خطة للنهوض بالقطاع أبرز مقترحات جلسة الاعداد لموسم جني التمور...

الأكثر قراءة

كاتب الدولة للهجرة يجدد التزام الحكومة بدعم الهجرة "الآمنة والمنظمة والكريمة" للشباب (1304 views)
الجامعة العامة للكهرباء والغاز ترفض الرفع التدريجي لدعم الكهرباء (1212 views)
من سرطان الدم إلى سرطان الثدي: قصة داليا التي أرادت الحياة (390 views)

عالمي

17/10/2017 15:32
مقتل 26 شخصا في غارة لطائرة أمريكية بدون طيار في باكستان /حصيلة جديدة/
17/10/2017 14:55
التضخم البريطاني عند أعلى مستوى في 5 سنوات ونصف في سبتمبر
17/10/2017 14:30
دراسة: 800 مليون دولار خسائر الفلسطينيين سنويا بسبب سيطرة إسرائيل على مناطق الأغوار
تحديثات تويتر النشرة الإخبارية الاتصال بنا

للحصول على النشرة الإخبارية، الرجاء التسجيل


tel: 71889000
fax: 71883500, 71888999